تُشكّل دقةُ الملاحظة النبوئية الشهيرة للمستشرق البروفيسور برنارد لويس، الذي صاغ عبارة “إيران ستصبح تركيا، وتركيا إيران”، قبل وفاته بفترة طويلة (في أيار 2016)، الإطار الفكري لفهم الواقع الجيوسياسي الراهن. فقد رصد لويس تحولاً ثقافياً وحكومياً عميقاً: فبينما يطمح جزء من المجتمع الإيراني إلى العلمنة والتغريب (على غرار رؤية أتاتورك)، تخلّت تركيا، تحت حكم رجب طيب أردوغان، تدريجياً عن تراثها العلماني والغربي لصالح أيديولوجية إسلامية وطموحات إمبريالية عثمانية جديدة. وقد أدّى هذا التوجّه إلى انهيار المحور الاستراتيجي التاريخي في الشرق الأوسط. فتركيا التي كانت لعقود شريكاً أمنياً واقتصادياً بالغ الأهمية، وركيزةً للاستقرار الإقليمي لإسرائيل، أصبحت دولةً معاديةً بشكلٍ علني. وفي الوقت نفسه، رسّخت مكانتها كراعٍ وداعم رئيسي للجماعات الإسلامية الإقليمية المتطرفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين (حماس في قطاع غزة) وفروعها.
يُترجم هذا التغيير التنظيمي والأيديولوجي العميق إلى خطاب عدائي متزايد وتهديدات لفظية من جانب أردوغان. ففي العام الماضي، تجاوز أردوغان حدود النقد السياسي وانتقل إلى أساليب تجريد الآخرين من إنسانيتهم، مُطلقًا تهديدات وجودية صريحة، بدءًا من مقارنات متكررة بالنظام النازي (“ما الفرق بينك وبين هتلر؟”)، مرورًا بصلوات علنية ودينية لتدمير الدولة (“اللهم دمر إسرائيل الصهيونية وأبيدها”)، وصولًا إلى التهديدات الصريحة بالتدخل العسكري المباشر (“كما دخلنا قره باغ وليبيا،ربما نفعل الشيء نفسه معهم”)، والمطالبة بحظر دولي على الأسلحة.
إن الخطر الحقيقي الذي يُمثله أردوغان وتركيا عمومًا يتجاوز بكثير تلك الشعبوية المُصممة على كسب التأييد الانتخابي في الداخل. يستغل أردوغان مكانة تركيا ونفوذها لتوفير غطاء سياسي ومساحة للتحرك للمنظمات الإرهابية، وقيادة آليات الضغط والمقاطعات الاقتصادية ضد إسرائيل، وتقويض الاستقرار في الشرق الأوسط بشكل فعّال. إن فقدان تركيا لمركز قوتها وتحولها إلى بؤرة عدائية نشطة وفعّالة، يخلق جبهة استراتيجية معقدة لإسرائيل والعالم الحر، ما يهدد بتقييد حرية العمل الدولية وتغذية محور المقاومة الإسلامية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
في ليلة 15 تموز 2016، عندما حلقت الطائرات المقاتلة على ارتفاع منخفض فوق أنقرة وأغلقت الدبابات جسور إسطنبول، بدا للحظة أن تركيا تمر بواحدة من أحلك فصول تاريخها. لم يقتصر الانقلاب العسكري الفاشل على الشوارع فحسب، بل امتد ليشمل الوعي الوطني لبلد بأكمله.
بينما سيطرت وحدات الجيش على مراكز القوى وأعلنت أنها تعمل على “إعادة الديمقراطية”، لم يظهر الرئيس أردوغان في القصر الرئاسي أو على منصة البرلمان، بل ظهر عبر شاشة هاتفه المحمول. في مكالمة فيديو مباشرة بُثت على التلفزيون، نظر مباشرةً إلى الكاميرا ودعا المواطنين الأتراك إلى النزول إلى الشوارع للدفاع عن حكمه.
في تلك الليلة، رآه مؤيدوه قائداً شجاعاً تصدى للجيش. كانت تلك اللحظة التي تحوّل فيها أردوغان من زعيم سياسي إلى شخصية تاريخية، رجل أنقذ الجمهورية التركية من الانهيار. في المقابل، رأى منتقدوه تلك الليلة نقطة تحول معاكسة: فقد بدأ الرئيس المنتخب ديمقراطياً في تأسيس حكومة مركزية غير مسبوقة، مستغلاً الخوف القومي لإعادة تشكيل البلاد على صورته.
يُعدّ أردوغان أحد القادة الذين يُثيرون مشاعر قوية، لا سيما لدى شرائح واسعة من الشعب التركي، وخاصة في المناطق المحافظة والدينية. إنه الزعيم الذي يُعبّر عن صوتهم وهويتهم، هو الرجل الذي حطم سقف الهيمنة العلمانية القديمة للنخب في أنقرة وإسطنبول، وفتح أبواب المؤسسات أمام عامة الناس المتدينين، ومنح شعوراً بالانتماء لملايين شعروا لعقود من الإقصاء من المفهوم الكمالي (“السهام الستة”) الذي وضع أجندة الحكم في عهد أتاتورك. في ظل قيادة أردوغان، نما الاقتصاد، وشُيّدت البنية التحتية والطرق والمطارات والمستشفيات ومشاريع ضخمة، وبدأت تركيا تنظر إلى نفسها كقوة إقليمية صاعدة، لا مجرد جسر بين الشرق والغرب.
لكن إلى جانب صورة “أبو تركيا الجديدة”، برز واقعٌ أكثر تعقيدًا. تدريجيًا، فإن من رسّخ صورته كقائد ديمقراطي نجح في الجمع بين الإسلام والسياسة الحديثة، بدأ في تركيز السلطة بين يديه؛ فأعاد تشكيل النظام القضائي، وأضعف وسائل الإعلام المستقلة، وأسكت المعارضين السياسيين، حتى خصومه لم يصفوا تركيا كديمقراطية متجددة، بل كنظام يتسم بالقومية والدين وعبادة الشخصية. على مدى عقدين من الزمن، نما أردوغان كتهديد إقليمي يسعى إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط. أحد أهم الأسئلة التي تواجه دولة إسرائيل هو: كيف استطاع قائدٌ انتُخب عبر الوسائل الديمقراطية أن يُغيّر طابع بلدٍ بأكمله تدريجيًا، ويتحول من حليفٍ إلى ديكتاتورٍ يطمح إلى تحويل تركيا إلى إمبراطورية؟ هل كان سياسيًا براغماتيًا اغتنم فرصة تاريخية لاستعادة مكانة تركيا الإقليمية كدولة عثمانية جديدة، أم مُنظّرًا استلهم من حركات إسلامية أوسع، كجماعة الإخوان المسلمين، وسعى إلى تشكيل نظام جديد في الداخل والخارج؟
الرجل وراء الصورة
لفهم كيف أصبح أردوغان أحد أكثر الشخصيات نفوذاً وإثارةً للجدل في الشرق الأوسط، لا بد من العودة إلى أزقة حي قاسم باشا المزدحمة في إسطنبول. هناك، بعيداً عن النخب العلمانية في تركيا القديمة، نشأ الرجل الذي سيقدم نفسه لاحقاً كممثل “التركي العادي” في مواجهة النظام القديم.
وُلد أردوغان عام 1954 في إسطنبول لعائلة محافظة من أصل جورجي في مدينة ريجه على ساحل البحر الأسود. كان والده يعمل في خفر السواحل، رجلاً صارماً يطالب بانضباط عالٍ، ونشأ في منزل جمع بين التقاليد الدينية الراسخة وروح الكفاح اليومي لعائلة من الطبقة المتوسطة الدنيا. كان الحي الذي نشأ فيه مكاناً تُعدّ فيه القوة الشخصية والاحترام والقدرة على مواجهة الخصوم جزءاً لا يتجزأ من الحياة. في هذه البيئة، تعلم أردوغان في سن مبكرة كيف يتحدث إلى الناس بلغتهم، لا كخبير تقني، بل كشخص يفهم لغة الشارع. وكان التعليم الذي تلقاه أحد العناصر الأساسية في تشكيل هويته. على النقيض من المسار العلماني السائد في الجمهورية التركية، أرسلته عائلته للدراسة في مدرسة إمام وخطيب، وهي مؤسسة دينية مُخصصة لتدريب رجال الدين والوعاظ. في ذلك الوقت، حين كانت النخبة الكمالية، التي تبنت العلمانية كبديل للإمبراطورية العثمانية وسعت إلى إقصاء الدين عن المجال العام، تُهيمن على الحكم، أصبحت هذه المدارس حاضنةً لجيل جديد من الشباب الذين رأوا في الإسلام هوية سياسية لا مجرد عقيدة شخصية. هناك تعلّم أردوغان أساسيات الخطاب الديني، وأهمية الرمزية، والقدرة على استخدام اللغة العاطفية لخلق انتماء عميق. وكان نجم الدين أربكان، زعيم الإسلام السياسي في تركيا، شخصية مؤثرة أخرى في مسيرته. كان أربكان أول زعيم يُوفر إطارًا سياسيًا مُنظمًا للجماهير الدينية المُستبعدة من النظام العلماني. بالنسبة لأردوغان الشاب، كان أربكان أكثر من مجرد زعيم حزبي؛ لقد كان نموذجًا للشخص المُستعد لتحدي النظام القديم باسم رؤية أيديولوجية دينية. مع ذلك، أدرك أردوغان مبكراً حدود معلمه، فالأيديولوجيا وحدها لا تكفي لإحداث تغيير في الدولة العلمانية آنذاك. فإذا كان أربكان يتحدث بلغة الإيمان، فقد تعلم أردوغان ترجمتها إلى أفعال من خلال لغة السلطة.
لم تُبنَ كاريزما أردوغان على الخطابات فحسب، بل على سيرته الذاتية أيضاً. فقد حرص على ترسيخ صورة “فتى الحي” الذي نشأ في الطبقة الدنيا، والذي كان يلعب كرة القدم في الشوارع ويحلم بأن يصبح لاعباً محترفاً، والذي عرف من كثب صعوبات المجتمع في المناطق المهمشة اجتماعياً وجغرافياً. في تركيا، حيث كان يُنظر إلى النخب على أنها منفصلة عن الواقع، أصبحت هذه الصورة رصيداً سياسياً هائلاً. لم يره الشعب مجرد سياسي، بل “واحداً منا” استطاع اختراق سقف الدولة العلمانية نيابةً عن أولئك الذين لم يشعروا يوماً بانتمائهم إليها.
وهكذا، قبل وقت طويل من توليه الرئاسة، تبلورت الصورة التي سترافقه طوال حياته، صورة قائد لا يُقدم نفسه كرجل من المؤسسة، بل كرجل من الشعب ملتزم بتغيير النظام من الداخل.
التحالفات التي مهدت الطريق لصعوده
لم يكن صعود رجب طيب أردوغان إلى السلطة نتاجًا للكاريزما وحدها، ولا وليد لحظة سياسية عابرة. فخلف قصة الرجل الذي قدم نفسه كرجل الشعب الذي يناضل ضد النخب، ثمة استراتيجية بناء تحالفات سياسية واجتماعية وأيديولوجية حولته من شخصية هامشية نسبيًا في النظام التركي إلى أقوى زعيم في تاريخه الحديث.
من هامش السياسة الإسلامية في ثمانينيات القرن الماضي إلى صعوده إلى زعامة البلاد في أوائل الألفية الجديدة، نجح أردوغان في تحويل الهوية الدينية، والشعور بالحرمان الاجتماعي، والتغيرات الهيكلية في النظام السياسي إلى قوة انتخابية مستقرة ومتنامية.
وقد بُنيت قاعدته السياسية الأولى داخل حزب الرفاه (حزب الرفاه) بزعامة نجم الدين أربكان، الذي كان يمثل الإسلام السياسي في تركيا. قدّم الحزب بديلاً للنظام العلماني للجمهورية التركية، وفي عام 1994 حقق إنجازاً بارزاً في الانتخابات المحلية حين أصبح أكبر حزب على مستوى البلديات. وفي العام نفسه، انتُخب أردوغان رئيساً لبلدية إسطنبول، وهو المنصب الذي جعله لاعباً سياسياً بارزاً على الساحة الوطنية، وشكّل الأساس العملي الأول لبناء سلطته.
أصبحت أكبر مدن البلاد مختبرًا للسلطة بالنسبة له. حسّن أردوغان الخدمات البلدية، وحلّ مشكلات المياه والتلوث، وأدخل أسلوب إدارة أكثر كفاءة من أسلافه. ولكن، بالإضافة إلى الإدارة نفسها، مثّلت البلدية آلية سياسية له؛ فمن خلال شبكات الرعاية الاجتماعية، والتوظيف، والمقاولين المحليين، والمنظمات المجتمعية، أُنشئ نظام ولاء جديد ربط الحكومة المحلية بالجمهور. وبهذه الطريقة، لم تُبنَ سمعة فحسب، بل أُنشئت أيضًا آلية فعّالة تعود بالنفع على الجمهور. في عام 1995، فاز حزب الرفاه بنحو 21 في المئة من الأصوات في الانتخابات العامة، وأصبح أكبر حزب في البرلمان. مثّل هذا الإنجاز تعزيزًا للحركة الإسلامية في السياسة التركية. ومع ذلك، في عام 1997، وتحت ضغط عسكري وسياسي على الجمهورية العلمانية، أُطيح بالحكومة وبدأ الحزب الإسلامي بالتراجع. في عام 1998، أُدين أردوغان بتهمة إلقاء خطاب ذي طابع ديني، بل وسُجن أربعة أشهر تقريبًا في عام 1999. وهذا الحدث عزّز صورته كضحية للنظام، وعمّق دعمه بين الجمهور المحافظ.
واصل أردوغان تعزيز نفوذه بعد أزمة سياسية واقتصادية حادة عصفت بتركيا عام 2001، شهدت انهيار النظام المصرفي وتآكل الثقة بالأحزاب التقليدية. وفي خضم هذا الفراغ السياسي، أسس أردوغان، بالتعاون مع عبد الله غول، حزب العدالة والتنمية. تأسس الحزب في آب 2001 بنحو 74 عضوًا مؤسسًا، وقدم نفسه كحزب محافظ ديمقراطي لا كحزب إسلامي بامتياز، مما سمح له بتوسيع قاعدة دعمه لتشمل فئات أوسع من المجتمع الديني.
في انتخابات تشرين الثاني 2002، حقق حزب العدالة والتنمية فوزًا تاريخيًا بنحو 34.3 في المئة من الأصوات، ولكن نظرًا لارتفاع عتبة الانتخابات في تركيا (10 في المئة)، فقد حصد أغلبية مطلقة من مقاعد البرلمان: 363 مقعدًا من أصل 550. وهذا الفوز شكل بداية هيمنة الحزب السياسية. في البداية، لم يتمكن أردوغان نفسه من تولي منصب رئيس الوزراء بسبب إدانته السابقة، ولكن بعد تعديل القانون، تولى منصبه في آذار 2003.
الاحتفالات التي أعقبت الانتخابات في تركيا
ازداد نفوذ الحزب في انتخابات عام 2007 بحصد نحو 46.7 في المئة من الأصوات، وفاز بـ341 مقعدًا في البرلمان. وأحكم أردوغان سيطرته السياسية، بينما انتُخب حليفه عبد الله غول رئيسًا للبلاد. وفي عام 2011، بلغ الحزب ذروة تأييده الشعبي، إذ فاز بنحو 49.8 في المئة من الأصوات، أي ما يقارب نصف الناخبين، واستمر في سيطرته على أغلبية مطلقة في البرلمان. عند هذه النقطة، أصبح الحزب قوة مهيمنة في النظام السياسي التركي.
ومن أهم العوامل التي ساهمت في هذا الصعود، إنشاء تحالف بين الدولة والطبقة التجارية المحافظة. وأصبحت منظمات مثل “موصياد” (اتحاد الصناعيين ورجال الأعمال المستقلين)، التي مثّلت البرجوازية الدينية الجديدة في الأناضول، شركاء أساسيين للنظام.
في الوقت نفسه، أنشأت الحكومة نظامًا للحوافز الاقتصادية – مناقصات عامة، ودعم مالي، وقروض من البنوك الحكومية – ما أدى إلى ظهور طبقة جديدة من رأس المال تعتمد على الحكومة. وبين عامي 2011 و2022، نُفذت مشاريع في تركيا بقيمة 156 مليار دولار تقريبًا في إطار شراكات بين القطاعين العام والخاص. وقد عززت هذه الآلية الصلة بين الولاء السياسي والربح الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، بنى أردوغان نظامًا للسيطرة على وسائل الإعلام والخطاب العام. واستحوذت مجموعات أعمال مقربة على مؤسسات إعلامية رئيسية، مما خلق وضعًا أصبح فيه جزء كبير من الإعلام التركي مؤيدًا للحكومة. وبحلول عام 2023، كانت معظم القنوات التلفزيونية الرئيسية مملوكة لمجموعات أعمال تربطها علاقات وثيقة بالحكومة. فعلى سبيل المثال، استحوذت مجموعة ديميرورين على إحدى أكبر المجموعات الإعلامية بقرض قيمته حوالي 800 مليون دولار من بنك حكومي، بعد تغريم سلفها وإضعافها لانتقادها الحكومة.
كما شكل الدين والقومية آليتين رئيسيتين للتجنيد. وقدّم أردوغان نفسه على أنه يمثل الرأي العام المسلم المحافظ الذي عانى من التهميش لعقود. في الوقت نفسه، عزز أردوغان خطابًا قوميًا يُعلي من شأن قوة تركيا واستقلالها السياسي ومقاومتها للضغوط الغربية. وقد مكّنه هذا المزيج من توحيد مختلف الفئات الاجتماعية: المتدينين، والقوميين، وطبقة وسطى هامشية.
باختصار، كان صعود أردوغان إلى السلطة نتاجًا لتضافر تحالفات سياسية، ومصالح اقتصادية، وسيطرة مؤسسية، وسردية هوية قوية. لم يكن هذا نجاحًا عابرًا أو وليد اللحظة، بل كان بناء نظام سلطة مستقر امتد لأكثر من عقدين، حتى أصبح الشخصية السياسية الأبرز في تركيا الحديثة.
لقد أصبح الدين، الذي كان مهمشًا في الحياة العامة، أداةً في يده لتعزيز الانتماء السياسي. واتخذت القومية، التي كانت تُربط سابقًا بالعلمانية الكمالية، شكلًا جديدًا في نظره: فخر تركي مرتبط بهوية دينية إسلامية.
إلى جانب التحالفات الداخلية، أدرك أردوغان أيضًا أهمية الإعلام، فتعلم استخدام رسائل قصيرة وعاطفية ومباشرة. لقد رسّخ صورة الزعيم المضطهد الذي يُحارب النظام القديم، مُحوّلاً بذلك كل صراع سياسي إلى صراع شخصي بينه وبين “الشعب”. وكان أي نقد يُوجّه إليه يُصوّر على أنه هجوم على المعسكر الذي يُمثله.
لقد كان صعود أردوغان نتيجةً لتضافر الدين والهوية والآليات السياسية ونظام التعليم والسيطرة على الخطاب العام. لم يكتفِ بالفوز في الانتخابات، بل تمكّن أيضاً، ضمن قواعد اللعبة الديمقراطية، من إعادة بناء الخريطة الاجتماعية التي سمحت له بالفوز مراراً وتكراراً.
لحظة التغيير الحاسمة
على مدى أكثر من عقد، استطاع أردوغان ترسيخ صورة راسخة حول نفسه. في نظر ملايين المواطنين في تركيا، كان الزعيم الذي أعاد الاحترام إلى عامة الشعب، وكسر احتكار النخب القديمة، وحوّل بلداً كان يعتبر نفسه هامشياً إلى قوة إقليمية تتمتع بثقة عالية بالنفس.
لكن في صيف عام 2013، بدأت تظهر بوادر الخلل. ما بدأ كمظاهرة صغيرة احتجاجًا على خطة لهدم حديقة غيزي في قلب إسطنبول وبناء مركز تجاري مكانها، تحوّل في غضون أيام إلى أكبر احتجاج تشهده تركيا منذ سنوات. في البداية، وصل نشطاء البيئة لمنع اقتلاع آخر الأشجار في إحدى أبرز معالم المدينة. لكن ردّ الشرطة القاسي، الذي شمل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والاعتقالات، حوّل نضالًا محليًا إلى رمز وطني. وهكذا أصبحت الحديقة الصغيرة مرآةً للتغيير الذي كان يجري في تركيا.
لم تعد احتجاجات غيزي من أجل الأشجار، بل تحولت إلى انتفاضة ضد شعور أعمق: عندما اتضح أن الزعيم الذي وعد بفتح البلاد قد بدأ في إغلاقها. خرج آلاف الشباب والأكاديميين والعلمانيين والليبراليين، وحتى المحافظين المحبطين، إلى الشوارع ليس لمعارضتهم مشروع بناء، بل لأنهم شعروا أن الحكومة قد توقفت عن الإصغاء إليهم. بالنسبة لهم، كانت غيزي اللحظة الحاسمة التي بدأت فيها صورة أردوغان كمصلح ديمقراطي بالانهيار.
حتى ذلك الصيف، كان أولئك الذين لم يدعموه بشكل كامل يرونه سياسياً براغماتياً، رجلاً ذا جذور دينية ولكنه يعمل ضمن قواعد اللعبة الديمقراطية. لكن رد فعله على الاحتجاجات كشف عن جانب آخر. فبدلاً من محاولة تهدئة الأوضاع، اختار أردوغان المواجهة. ووصف المتظاهرين بالخونة، وعملاء القوى الأجنبية، ومن يتصرفون ضد إرادة الشعب. ومع تصاعد الاحتجاجات، تصاعدت حدة خطابه. كانت الرسالة واضحة: من يعارض القائد يعارض الدولة.
يبدو أنه في تلك اللحظة بالذات، بدأ عامة الناس يدركون أن الفجوة بين الرواية والواقع أكبر مما بدت عليه. القائد الذي قدم نفسه ضحيةً لمؤسسة قوية، بدأ يُنظر إليه على أنه أصبح هو نفسه مركز السلطة؛ حلت لغة الولاء محل لغة المصالحة، وتحول وعد الديمقراطية تدريجيًا إلى مطلب الانتماء الكامل. فبدلًا من قائد يوسع حدود النظام، برز حاكم يعيد تعريف من ينتمي إليه ومن يُعتبر تهديدًا له.
الأحداث التي تلت ذلك – محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وموجة الاعتقالات، والتعديلات الدستورية، وتعميق المركزية – لم تُؤكد إلا ما كان قد بدأ يتكشف في غزة. لكن بالنسبة لكثيرين، لم تكن نقطة التحول ليلة الدبابات عام 2016، بل صيف الخيام والأعلام في حديقة صغيرة بإسطنبول. هناك، ولأول مرة، بدأ الشعب التركي يدرك أن الواقع الذي يُبنى أمام أعينهم يختلف تمامًا عن الرواية التي رُوِّجت لهم لسنوات، وبدأوا يتبينون نوايا أردوغان العميقة لتحويل تركيا إلى نسخة معاصرة من العثمانية الجديدة.
الجهاز الأيديولوجي
دراسة الأزمات أو الخطابات أو الأحداث التي جعلته الشخصية المحورية في تركيا في العصر الحديث، لا تكفي لفهم مسار أردوغان. فخلف القرارات السياسية، والتعديلات الدستورية، والاشتباكات مع خصومه في الداخل والخارج، عملت آلية أعمق على مر السنين، رؤية عالمية منظمة سعت إلى إعادة تعريف هوية البلاد.
وخلافًا للادعاء السائد بأن أردوغان تصرف بدافع الغريزة السياسية فحسب، يشير عدد متزايد من الباحثين إلى أن التحركات التي بدت أحيانًا ردود فعل عفوية كانت جزءًا من إطار أيديولوجي أوسع بكثير. كان جوهر هذا الرأي هو افتراض أن تركيا الحديثة قد فقدت جزءًا من هويتها مع تأسيس أتاتورك للجمهورية العلمانية لصالح النخبة الكمالية.
لقد بُنيت الدولة الجديدة على قطيعة متعمدة مع الماضي العثماني: أُقصي الدين من المجال العام، وأصبحت المؤسسة العسكرية حامية العلمانية، وأُعيد تعريف الهوية الوطنية حول فكرة دولة غربية عقلانية علمانية. لم يسعَ أردوغان إلى تغيير السياسة فحسب، بل رأى أن تركيا لم تكن مُجبرة على الاختيار بين الحداثة والإسلام، بل على الجمع بينهما تحت قيادة جديدة.
نادرًا ما صوّر أردوغان صراعه على أنه صراع بين الدين والدولة، ولكنه كان يتمتع بمهارات سياسية حادة عندما اختار وصف الواقع بأنه صراع بين “الشعب العادي” والنخب القديمة. لم تُقدّم العلمانية، من وجهة نظره، كقيمة ديمقراطية، بل كآلية تُبعد العامة المتدينين عن مراكز السلطة وصنع القرار، وبهذه الطريقة نجح في ترجمة فكرة دينية إلى لغة سياسية أوسع. لم يُصرّح للرأي العام بأنه يُناضل من أجل أسلمة الدولة، بل بأنه يُناضل من أجل قيم العدالة والكرامة، وإعادة صوت المهمشين.
لقد استندت آليته الأيديولوجية إلى ثلاثة أسس: أولها الهوية، حيث سعى أردوغان إلى إعادة بناء الصلة بين القومية التركية والإسلام السني. لعقود، كان يُنظر إليهما على أنهما منفصلان في تركيا. بالنسبة لأردوغان، أصبحا كيانًا واحداً. لم تُقدّم تركيا كدولة قومية فحسب، بل كوريثة لماضٍ تاريخي أوسع، يربط بين القوى السياسية والدينية والإقليمية. أصبح الماضي العثماني الإمبريالي المكبوت مصدر فخر وشرعية من جديد.
العنصر الثاني هو مفهوم الحصار. على مر السنين، روّج أردوغان لرواية مفادها أن تركيا مُحاصرة من قِبل خصوم، داخليين وخارجيين. خصومه السياسيون، والإعلام، والمؤسسة القانونية، والغرب، وأحيانًا حتى بعض الدول العربية، جميعهم قُدّموا كجزء من صراع أوسع ضد “تركيا الجديدة”. هذه اللغة سمحت له بتحويل أي نقد سياسي تقريبًا إلى مسألة ولاء وطني. لم يُصوَّر معارضو سياساته كمعارضين سياسيين فحسب، بل أحيانًا كمعارضين لإرادة الأمة.
أما العنصر الثالث فكان التغيير الاجتماعي العميق. لم يكتفِ أردوغان بتغيير الحكومة، بل سعى إلى بناء جيل جديد، وانعكس ذلك في التعليم والمجال العام ومؤسسات الدولة. فقد احتلت المدارس الدينية مكانة مركزية أكبر، وأصبح الخطاب العام أكثر محافظة، وعادت الديانة تدريجيًا إلى صميم الهوية الرسمية. بالنسبة له، لم تكن السيطرة على المؤسسات مجرد سيطرة سياسية، بل كانت سبيلًا لتغيير طبيعة المجتمع نفسه.
كما اندمجت السياسة الخارجية في هذا المفهوم. لم يُنظر إلى صياغة الموقف تجاه الحركات الإسلامية في المنطقة، بما في ذلك العناصر التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، على أنها مجرد خطوة تكتيكية، بل كجزء من طموحه لوضع تركيا كقوة رائدة في العالم الإسلامي. لم ينظر أردوغان إلى تركيا كدولة إقليمية فحسب، بل كمركز سياسي قادر على تقديم نموذج مختلف للشرق الأوسط، نموذج لا ينفصل تمامًا عن الغرب.
في نهاية المطاف، لا تبدو الأحداث المحيطة بأردوغان عشوائية عند دراسة الأفكار الكامنة وراءها. فما يبدو أحيانًا سلسلة من ردود الفعل على الأزمات، يتضح أنه عملية منظمة ومتسقة لتشكيل هوية جديدة للبلاد. ولا يقتصر الجدل الدائر حوله على أسلوب حكمه فحسب، بل يتعداه إلى سؤال أعمق: أي تركيا سعى لبنائها، وأي تركيا أراد الانفصال عنها؟
كيف تحولت الأفكار إلى سياسات
لم يقتصر انتقال أردوغان من زعيم سياسي إلى صانع نظام في تركيا على الفوز في صناديق الاقتراع فحسب، بل تم أيضًا من خلال عملية منهجية تُرجمت فيها الأفكار الأيديولوجية إلى هيكل حكومي جديد. وكان جوهر هذا المفهوم هو افتراض أن قدرته على تحقيق الاستقرار الوطني تتطلب تركيز السلطة، وإضعاف مراكز المقاومة، وبناء صلة مباشرة بينه وبين الشعب. وبدلًا من أن ينظر أردوغان إلى الأزمة كتهديد لحكمه، حوّلها إلى أداة سياسية سمحت له بتبرير تغييرات جذرية في البلاد.
كانت الخطوة الأولى تعديلًا دستوريًا، أعطى الفكرة شكلًا مؤسسيًا. أدى استفتاء عام 2017، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2018، إلى إلغاء النظام البرلماني فعلياً، ونقل صلاحيات واسعة إلى الرئاسة. فقد أُلغي منصب رئيس الوزراء، ومُنح الرئيس صلاحيات واسعة في تعيين القضاة وكبار المسؤولين ورؤساء المؤسسات الاقتصادية. وهكذا تحوّل مفهوم “القيادة القوية” من مجرد شعار سياسي إلى هيكل قانوني غيّر طبيعة الدولة.
على الصعيد السياسي، نجح أردوغان في بناء حكومة قائمة على الترابط. ووسع حزب العدالة والتنمية، تحت قيادته، نفوذه من خلال شبكة من الولاءات المحلية، وتقاسم الموارد، وتعميق العلاقات مع الجماعات المحافظة. ولم يكتفِ النظام بالسيطرة على البرلمان، بل سعى إلى خلق واقع أصبح فيه دعم الحكومة وسيلةً للوصول إلى النفوذ والميزانيات ومراكز القوة. وشكّلت الأزمة الاقتصادية والأمنية ذريعةً لتقليص الانتقادات وتعزيز القيادة.
وكان من أبرز التغييرات إعادة هيكلة المؤسسات. فقد تآكلت استقلالية البنك المركزي تدريجياً، واستُبدلت التعيينات المهنية بأمناء سياسيين. تم تسييس المحاكم، وخضعت وسائل الإعلام تدريجيًا لسيطرة الرأسماليين المقربين، وفقدت الهيئات الرقابية، التي كان من المفترض أن تشرف على السوق، استقلاليتها.
وفي المجال الاقتصادي، تجسدت الفكرة السياسية عمليًا. فقد طور أردوغان نموذجًا للرأسمالية يعتمد على الانتماء السياسي، حيث توجه الدولة الاقتصاد من خلال المناقصات والمشاريع الوطنية والائتمان العام. وقُدّمت مشاريع البنية التحتية الضخمة، كالجسر والمطارات والمستشفيات والطرق، كرمز للقوة الوطنية، لكنها ساهمت أيضًا في خلق نخبة أعمال جديدة تعتمد على الحكومة. وقد عزز الرأسماليون، الذين استفادوا من الدولة، النظام السياسي من خلال شراء وسائل الإعلام ودعم الرواية الحكومية.
وتمكن أردوغان من الربط بين الهوية والرفاهية والولاء السياسي في المجال الاجتماعي. فقد تلقت الطبقات المهمشة مساعدات حكومية، ومعاشات تقاعدية موسعة، ومزايا مباشرة، بينما تآكلت الطبقة الوسطى تحت وطأة التضخم المتزايد. وقد أدى ذلك إلى خلق نظام بدأت فيه بعض فئات المجتمع تنظر إلى الحكومة كمصدر للاستقرار الشخصي. في الوقت نفسه، شهد الخطاب العام استقطابًا متعمدًا بين “عامة الشعب” والنخب، والمعارضة، والغرب.
لم تقتصر أيديولوجية أردوغان على الخطابات، بل تحولت إلى سياسات من خلال التشريعات، وتصميم المؤسسات، والسيطرة على الاقتصاد، واستغلال الأزمات، وإدارة الهوية الجماعية. وهكذا، بُني نموذج في تركيا لا تُعدّ فيه الأيديولوجية مجرد منصة للحكم، بل آلية تشغيلية تُعيد تنظيم الدولة حول شخص واحد.
في مجال العلاقات الخارجية، ترجم أردوغان فكرة “تركيا المستقلة” إلى سياسة مرنة، بل ومتحدية عمدًا في بعض الأحيان. حافظ على علاقاته مع الغرب، لكنه في الوقت نفسه عزز علاقاته مع روسيا وقطر ودول أخرى لا تلتزم بالقيم الليبرالية الغربية. استُغلت الأزمات الإقليمية، مثل سوريا وشرق المتوسط وقضية الهجرة، لتقديم تركيا كقوة إقليمية، ولتعزيز مكانتها الداخلية كقائد يحمي المصالح الوطنية في مواجهة الضغوط الخارجية.
هل ستعود الإمبراطورية؟
تربط الحكومة التركية علاقات وثيقة بمؤسسة الإغاثة الإنسانية (IHH)، وهي منظمة غير ربحية تأسست عام 1992 خلال حرب كوسوفو، وتعمل حاليًا في مناطق جغرافية واسعة تشمل في المقام الأول مناطق كانت خاضعة سابقًا لحكم الإمبراطورية العثمانية. كما تمتد أنشطتها إلى الدول الناطقة بالتركية في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي، بما في ذلك مناطق في روسيا الحالية.
لقد اكتسبت مؤسسة الإغاثة الإنسانية (IHH) شهرة دولية واسعة في أعقاب حادثة أسطول غزة عام 2010، ولا سيما قضية أسطول مرمرة. وقد تورطت إسرائيل في هذه الأنشطة عندما كانت المؤسسة من بين الجهات الرئيسية التي نظمت وقادت أسطول غزة. وبحسب المعلومات المتوفرة، فقد عملت المؤسسة بالتعاون مع جهات حكومية وسياسية في تركيا، بما في ذلك أردوغان، الذي يدعم سياسيًا خلق احتكاك مباشر مع إسرائيل.
وبحسب شهادة مسؤول المخابرات التركية السابق أحمد سعيد يلدريم، يُزعم أن أردوغان كان لديه هدفان رئيسيان خلال عملية سفينة مرمرة التي قادتها مؤسسة الإغاثة الإنسانية (IHH): أولهما إظهار علاقات وثيقة مع حماس في قطاع غزة، وثانيهما ترسيخ صورته كـ”حامي القدس” ولاعب رئيسي في الساحة الفلسطينية والإسلامية الأوسع. ولا يُعد التدخل التركي في غزة والقدس منفصلاً، بل جزءًا من سياسة شاملة: إذ تنظر أنقرة إلى حماس كحركة مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، ويجب تعزيزها وحمايتها، بينما تُمثل القدس ساحة رمزية وسياسية مركزية في صراع النفوذ في العالم الإسلامي.
إضافةً إلى ذلك، يُزعم وجود تعاون غير مباشر أو موازٍ بين مؤسسة الإغاثة الإنسانية (IHH) ووكالة التعاون والتنمية التركية (TİKA)، وهي هيئة حكومية تركية تعمل في مجالي المساعدات والتنمية الدولية، ويُزعم أنها تُستخدم لتعزيز النشاط المدني والثقافي والاقتصادي في القدس الشرقية. يعتقد البعض أن الوكالة قد تُستخدم أحيانًا كغطاء لأنشطة سياسية ناعمة، بل وحتى لتأثير استراتيجي طويل الأمد، ويكمن القلق الرئيسي في احتمال عمل عناصر متطرفة سرًا في إطار أنشطة إنسانية مماثلة لوكالة الأونروا، التي استخدمتها حماس كآلية عمل في قطاع غزة. في آذار 2024، في ختام حرب “السيوف الحديدية”، صرّح أردوغان في خطابه قائلًا: “نتنياهو وحكومته نازيو عصرنا بسبب أفعالهم في غزة. ومثل هتلر وموسوليني وستالين، نحن مُلزمون بتقديم هؤلاء “القتلة” إلى العدالة، وفقًا للقانون الدولي. أما في ضميرنا الإنساني، فهم مُدانون بالفعل”. ووفقًا له، “فشل العالم الإسلامي، الذي يبلغ تعداد سكانه نحو ملياري نسمة، للأسف، في أداء واجبه في “الأخوة مع الشعب الفلسطيني” بالمعنى الحقيقي”.
ولا يقتصر معنى هذه الكلمات على مجرد الخطاب. يهدف هذا التصريح أيضاً إلى صياغة موقف إقليمي أوسع، في محاولة لتعزيز مكانة تركيا كدولة شبيهة بالعثمانية، وحشد العالم الإسلامي، بما في ذلك إبداء الدعم لمنظمات إرهابية كحماس، بهدف ممارسة ضغط دبلوماسي يُضعف إسرائيل على الساحة الدولية. وبهذا المعنى، لا تُعدّ تصريحات أردوغان مجرد رد فعل على الحرب في قطاع غزة، بل هي جزء من صراع أوسع لتشكيل الخطاب الإقليمي، ومحاولة لتقويض مكانة إسرائيل كقوة في الشرق الأوسط.
في شباط 2026، أفادت قناة TRT التركية بأن هيئة الشؤون الدينية التركية قد شيدت ثلاثة مساجد جديدة في قطاع غزة قبيل حلول شهر رمضان. وقد بُنيت المساجد في أحياء صبرا وجباليا والشيخ رضوان بمدينة غزة. وقد رجّحت مصادر سياسية أن أردوغان يسعى إلى ترسيخ وجوده على المدى الطويل في الساحة الفلسطينية، مع دعمه لتقوية حماس (جماعة الإخوان المسلمين)، من خلال مزيج من النشاط المدني والديني والتصريحات الأمنية.
في الوقت نفسه، واصل أردوغان الترويج لسياسة خارجية نشطة، تجمع بين القوة العسكرية والمشاركة المدنية والنفوذ الديني. شاركت تركيا في مناورة واسعة النطاق لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في ألمانيا، مما عزز مكانتها كعضو فاعل في الحلف، إلى جانب تبنيها سياسة خارجية أكثر استقلالية في الشرق الأوسط.
وأشارت التطورات التي شهدتها شباط 2026 إلى سعي تركيا المتواصل لتعزيز نفوذها في المنطقة من خلال مزيج من الأنشطة الإنسانية والدينية والأمنية، وذلك في إطار استراتيجية شاملة لتوسيع حضورها ونفوذها على الساحة الإقليمية.
وفي أواخر آذار 2026، ومع حصار مضيق هرمز، سعت تركيا وسوريا إلى إنشاء طريق تجاري بديل من الهند إلى أوروبا عبر دول الخليج وسوريا، بهدف استبدال إسرائيل بهذا الطريق الجديد.
ويُعدّ ممر التجارة بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط (IMEC) مشروعًا تصدّر عناوين الأخبار قبل أسابيع قليلة من 7 أكتوبر، وكان من المفترض أن يُمثّل نقطة تحوّل في تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، نظرًا لمرور الممر عبر البلدين.
مع ذلك، عمل أردوغان والجولاني، اللذان لم يتأثرا كثيرًا بالحرب في إيران، على إنشاء ممر اقتصادي جديد يربط الخليج بأوروبا، في محاولة لإبعاد إسرائيل عن مسار نقل البضائع. وإذا لم تكن إسرائيل شريكًا في هذا المسار البديل، فستكون العواقب خسارة مليارات الدولارات من الإيرادات. وقد ناقش الزعيمان هذه المسألة علنًا، وكشفا عن مشاريع قيد التخطيط لخط سكة حديد فائق السرعة يربط سوريا بالسعودية عبر الأردن، وشبكة أنابيب لنقل النفط من شمال شرق السعودية إلى الموانئ السورية – وهو تغيير قد يعزز موقف تركيا لإضعاف الموقف الاقتصادي لإسرائيل.
وفي الأسابيع الأخيرة، صرّح أردوغان أيضًا، فيما يتعلق بالممر الاقتصادي البديل المسمى “تريب”، قائلاً: “تبرز تركيا كجزيرة استقرار وملاذ آمن. ونؤمن إيمانًا راسخًا بأن الأزمة العالمية ستفتح آفاقًا جديدة لبلادنا”. يكمن الفرق بين هذين المسارين في أن الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا (IMEC) مصمم لربط الهند والخليج بأوروبا عبر ميناء حيفا، بينما يركز المسار التركي على ربط الصين عبر سوريا وآسيا الوسطى.
يسعى أردوغان إلى صياغة آلية نفوذ مختلفة عن منافسته إيران، تعتمد على استخدام القوة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والتبعية الاقتصادية. في ظل هذا الواقع، قد تجد إسرائيل نفسها ليس فقط خارج طريق التجارة الرئيسي بين آسيا وأوروبا، بل تواجه أيضًا واقعًا إقليميًا جديدًا يتحول فيه النفوذ التركي تدريجيًا من قوة سياسية إلى قوة استراتيجية، بهدف تقليص مركزية إسرائيل في المنطقة وتقويض مكانتها الاقتصادية والسياسية.
شارونا شير زابلودوفسكي
معاريف 11/5/2026
