هشام يعقوب
رئيس قسم الأبحاث والمعلومات في مؤسسة القدس الدولية

تحظى ذكرى احتلال الشَّطر الشَّرقيِّ من القدس وفق التَّاريخ العبريِّ في هذا العام بأهميَّة خاصَّة، وأضواء مضاعفة. يُطلق الصَّهاينة على هذه المناسبة "ذكرى توحيد القدس"، وترتبط باحتلال الشَّطر الشَّرقيِّ من القدس في حزيران/يونيو 1967، لتصبح القدس كاملة في قبضة الاحتلال الصِّهيوني بعد ذلك، وتحلُّ هذا العام في يوم الجمعة الواقع فيه 15-5-2026.
تُعَدُّ هذه الذِّكرى من أهمِّ المناسبات القوميَّة الإسرائيليَّة التي يستعرض فيها الاحتلال ووزاراته ومنظماته المتطرفة ومستوطنوه ما يزعمون أنَّه "السِّيادة" الإسرائيليَّة على القدس. ومن أوجه هذا الاستعراض تنظيم "مسيرة الأعلام"، واقتحامات المسجد الأقصى.
تحِلُّ هذه المناسبة في هذا العام في يومِ الجمعة الذي يكون فيه وفي اليوم الذي يليه بابُ المغاربة مغلقًا أمام المستوطنين المقتحمين، وهذه مشكلة تعترض المستوطنين المتطرفين ومنظماتهم المتطرفة. تكمن المشكلة في أنَّ "منظمات المعبد" المتطرفة تعتقد أنَّها حقَّقت في السنوات القليلة الماضية جملة مكاسب لا تريد التفريط بها، أو التَّراجع دونها، ومن أهمِّها إسقاط أفضلية المناسبات الإسلاميَّة على المناسبات اليهودية؛ وذلك عبر تكريس المساواة بينهما، أو فرض أفضليَّة المناسبات اليهوديَّة انسجامًا مع مزاعم فكرة "السِّيادة" الإسرائيلية المطلقة على المسجد الأقصى والقدس. سكوت "منظمات المعبد" على إغلاق المسجد الأقصى في وجه المقتحمين المستوطنين في "ذكرى توحيد القدس" العبريَّة بسبب تزامنها مع يوم الجمعة يعني بالنسبة إليها نسف جهود مضنية بذلتها لتعزيز الأولوية اليهودية على ما سواها في القدس والأقصى، وهنا جوهر معضلتهم.
بناء على ذلك، انطلقت حملة نشطة في أوساط المستوطنين تطالب بفتح أبواب المسجد الأقصى أمام المقتحمين يوم الجمعة 15-5-2026، ووقَّع عدد لا بأس به من المستوطنين على عريضة تطالب السلطات الإسرائيليَّة بفتح المسجد أمام المقتحمين، وشارك في التوقيع على هذه العريضة وفي فعاليات هذه الحملة عشرات من أعضاء الحكومة والكنيست في كيان الاحتلال؛ وهذا ما أعطاها زخمًا كبيرًا، وسلَّط الضوء على جديَّة خطورتها. وحتَّى لا نستغرق في تفاصيل يمكن التعريج عليها لاحقًا، نورد في ما يأتي السيناريوهات المحتملة حيال هذه القضية:
• السيناريو الأوَّل: إبقاء أبواب المسجد الأقصى مغلقة في وجه المستوطنين يوم الجمعة. هذا السيناريو وإنْ حصل فإنه لا يخلو من خطورة تكمن في حجم التجييش غير المسبوق الذي تقف وراءه "منظمات المعبد" ومن يتقاطع مع أجنداتها من مسؤولين سياسيين وأمنيين ومستوطنين. بمعنى آخر، ستوظِّف "منظمات المعبد" هذا التَّجييش لتعويض فشلها في الضغط على المستويين السياسي والأمني لفتح أبواب الأقصى، وذلك باعتداءات أخرى لا تقلُّ خطورة عن اقتحام الأقصى يوم الجمعة، كتقديم القرابين الحيوانية داخل الأقصى في أيِّ فرصة سانحة. وستستغلُّ هذه المنظمات تعبئة الجمهور الإسرائيلي لبناء تراكم يفضي في النهاية إلى تكثيف الضغوط وكسر موانع اقتحام الأقصى يومَي الجمعة والسبت.
• السيناريو الثَّاني: فتح المجال أمام عدد محدود من المستوطنين ليقتحموا الأقصى. قد يظنُّ المسؤولون السياسيون والأمنيون الإسرائيليون أنَّ هذا السيناريو يحقق لهم ثلاثة أهداف معًا: الأول هو هدف التجاوب النسبي مع ضغوط "منظمات المعبد" وشركائها، مع تضخيم هذا "الإنجاز" بوصفه غير مسبوق بصرف النَّظر عن عدد المقتحمين، والثاني هو تكريس "سيادة" الاحتلال و"مرجعيته" في ما يتعلَّق بالمسجد الأقصى، والثالث هو وضع أقدام المستوطنين على سكَّة كسر عُرف منع الاقتحامات يوم الجمعة، تمهيدًا لتطوُّر هذا المسار شيئًا فشيئًا، وصولًا إلى تحقيق الهدف المنشود بالتدرج الذي يدرك الصهاينة أنَّه أفضل وسيلة لتمرير مخططات التهويد على أمَّة تتعامل مع مخاطر سياسات الاحتلال على الأقصى بانفعال موسميٍّ عابر.
• السيناريو الثَّالث: فتح أبواب المسجد الأقصى أمام اقتحامات كثيفة امتثالًا لما حصل في عيد الأضحى عام 2019، حين خدع نتنياهو وأجهزته الأمنية الفلسطينيين، وأوهموهم أنَّه لن تكون اقتحامات للمستوطنين في أوَّل أيام عيد الأضحى، ثمَّ ما إن غادر أغلبية الفلسطينيين المسجدَ الأقصى بُعيْد صلاة العيد حتَّى تدفَّقت جموع المستوطنين الذين كانوا ينتظرون عند باب المغاربة بتنسيق من شرطة الاحتلال التي استوحشت وأجرمت بحق المصلين والمشايخ الذين حاولوا بعددهم القليل التصدي للمستوطنين. هذا السيناريو يحقِّق لنتنياهو وحزبه وحلفائه و"منظمات المعبد" صورةَ انتصار في مكان يعتقدون أنَّه بات خاصرة ضعيفة في ظلِّ تكبيل أيدي الفلسطينيِّين، وتشديد إجراءات البطش والتنكيل بهم، وتحميل من يفكِّر في التصدي للمقتحمين والمستوطنين وجنود الاحتلال أثمانًا باهظة جدًّا.
ولا شكَّ في أنَّ ما يخطِّط الاحتلال ومستوطنوه لتنفيذه من عدوان على المسجد الأقصى ليس قدرًا محتومًا غير قابل للتغيير؛ فقد شهدت السنوات القليلة الماضية مرَّات عديدة دُفِع فيها الاحتلال إلى التراجع والتعامل بواقعيَّة مع صعوبة إحداث تغييرات تهويدية جوهريَّة في المسجد الأقصى، ولا يتَّسع المقام لذكر بعض الأمثلة، ولكنَّها معروفة لكلِّ من يتابع شؤون القدس والقضية الفلسطينية. ويمكننا أنْ نتحدَّث بتركيز عن ثلاثة عوامل مؤثِّرة يمكنها أنْ تعرقل مخططات الاحتلال أو تمنع حصولها:
• العامل الأوَّل: كثافة الوجود الفلسطيني في المسجد الأقصى، وخاصة يومَي الخميس والجمعة 14 و15 من الشهرالجاري؛ وهذا يتطلب شدَّ الرحال إلى المسجد الأقصى، والرباط فيه، والوجود بكثافة في البلدة القديمة من القدس.
• العامل الثاني: تكثيف التفاعل العربي والإسلامي، وإطلاق الفعاليات المختلفة نصرة للمسجد الأقصى، ورفضًا للعدوان عليه.
• العامل الثالث: رفع سقف الموقف الأردني ودعمه بمواقف قوية من الحكومات العربية والإسلامية، واقتران هذه المواقف بإجراءات فعليَّة ضاغطة على الاحتلال.
ختامًا، يخوض الاحتلال الإسرائيلي حربًا حقيقيَّة على المسجد الأقصى، وكلَّما تأخَّر الفعل الفلسطيني والدعم العربي والإسلامي، تقدَّم الاحتلال نحو هدفه بفرض "السيادة" الكاملة على المسجد الأقصى، وتفريغ المرجعيَّة الإسلامية في إدارة شؤونه من مضمونها، وتحويل الوجود الإسلامي فيه إلى وجود غريب مؤقت فاقد للتأثير.
ختامًا، يخوض الاحتلال الإسرائيلي حربًا حقيقيَّة على المسجد الأقصى، وكلَّما تأخَّر الفعل الفلسطيني والدعم العربي والإسلامي، تقدَّم الاحتلال نحو هدفه بفرض "السيادة" الكاملة على المسجد الأقصى، وتفريغ المرجعيَّة الإسلامية في إدارة شؤونه من مضمونها، وتحويل الوجود الإسلامي فيه إلى وجود غريب مؤقت فاقد للتأثير.
