بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

في اليوم العشرين للحرب.. نتنياهو يخلط الحسابات ويبحث عن تحقيق عدة أهداف عبر مهاجمة حقل الغاز الإيراني

في اليوم العشرين للحرب.. نتنياهو يخلط الحسابات ويبحث عن تحقيق عدة أهداف عبر مهاجمة حقل الغاز الإيراني

صوّبت إيران منذ الليلة الفائتة ست رشقات صاروخية نحو منطقة خليج حيفا حيث منشآت نفطية وميناء ومرافق حسّاسة أخرى، بالتزامن مع هجماتها على منشآت مشابهة في قطر ودول جوار أخرى، وذلك في تصعيد خطير جدا في اليوم العشرين للحرب واليوم الأخير من الشهر الفضيل.

ويأتي هذا التصعيد في محاولة لردع الولايات المتحدة وإسرائيل من ضرب حقول الطاقة فيها. وكانت إسرائيل وبالتنسق مع الولايات المتحدة، قد استهدفت حقل بارس للغاز طمعا باصطياد عدة عصافير بضربة واحدة. من هذه الأطماع محاولة كسر إرادة إيران وقصم ظهرها كي لا تطول الحرب وتغدو استنزافا، خاصة أن إسرائيل ترى أن اغتيالاتها للقيادة الإيرانية بالجملة وتدمير الكثير من قدراتها العسكرية لا تؤدي إلى سقوط النظام، وهي تخشى من نفاد صبر ترامب وتراجع مناعة الإسرائيليين خاصة في الجليل وهم في حالة حرب للسنة الثالثة على التوالي.

كما تهدف الضربة الإسرائيلية لحقل الغاز إلى الضغط على إيران من أجل فتح مضيق هرمز الذي تستخدمه إيران لرفع كلفة الحرب والضغط على واشنطن من الداخل والخارج من أجل وقف النار. على هذه الخلفية، يرى بعض المراقبين في إسرائيل أمثال عاموس هارئيل محلل عسكري في صحيفة “هآرتس”، أن أمريكا وإسرائيل تزيدان مستوى المغامرة مقابل إيران وتدخلان حربا على سوق الطاقة. ويشير إلى أنه رغم تصرف ترامب وكأن بحوزته كفاية من الوقت، فإنه يسعى بمحاولات متسارعة لدفع إيران للاستسلام قبل أن تنفد صواريخ الاعتراض وصبر الجمهور في إسرائيل وفي دول الخليج، وهذا يشمل استهداف سوق الطاقة.

عقيدة التدمير والتهجير واحتلال الوعي

وتسعى إسرائيل أيضا عبر محاولة إشعال حقول الطاقة لتوريط دول الخليج بالحرب وتعميق العداوة بينها وبين إيران التي سبق وهددت من قبل الحرب باستهداف دول الجوار لا إسرائيل فحسب.

دول الخليج بشكل عام، وقطر بشكل خاص، تدير الأزمة الخطيرة بحذر وحكمة بتحاشيها الدخول في حرب ليست طرفا فيها بالأصل، ونتائج الانضمام للحرب ليست مضمونة، وربما تصبح هذه محاولة إطفاء النار بالبنزين. وفي الأساس، تنمّ هذه الضربة الإسرائيلية لحقل الغاز والبنى التحتية في إيران ضمن عقيدتها الأمنية الجديدة بعد السابع من أكتوبر والقائمة على التوحّش والدمار الشامل لكل ما يحيط بها، وربما يهددها ولو بشكل محدود، مستنسخة تجربة غزة في إيران ولبنان.

وقد سبق وهدّد يسرائيل كاتس بـ”تحويل الضاحية الجنوبية في بيروت إلى خان يونس”. ولا تخفي إسرائيل طمعها باستهداف مقدرات إيران وموارد شعبها لا نظامها الحاكم فحسب، بغية جعلها دولة معاقة عاجزة لعقود، ودرسا للعالم العربي والإسلامي. إسرائيل تمضي هنا في محاولاتها تطبيق هذه العقيدة التي لا تأبه بالقانون، والمجتمع الدولي، والجوانب الأخلاقية والإنسانية، محاولة احتلال وعي الآخرين خاصة في الجوار العربي وتسويق نفسها كدولة عظمى إقليمية على الأقل.

إسبارطة الجديدة

وعلى خلفية ضغوط وتحذيرات عربية محتملة، إضافة لمحاولة طمأنة أسواق الطاقة في العالم، سارع الرئيس الأمريكي للتنصّل من الاستهداف الإسرائيلي لحقل بارس للغاز، بالقول إن إسرائيل تصرفّت بـ”انفعال وغضب” وإن واشنطن لم تكن على تنسيق، مهددا بأن تدمّر بلاده حقول الطاقة في إيران في حال اعتدت على قطر ودول الخليج.

جاءت مزاعم ترامب هذه بعد ساعات من تأكيد جهات أمريكية وإسرائيلية بأن استهداف الحقل جاء بتنسيق بين تل أبيب وواشنطن، مما يعني أن الرئيس الأمريكي “يتحدث بشكل غير صحيح أو يكذب” كما قال الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجنرال في الاحتياط عاموس يادلين للإذاعة العبرية صباح اليوم الخميس.

وعلى خلفية الواقع الحالي، تبدو وجهة الحرب للمزيد من التصعيد لأن كافة الدول المتداخلة بها في مأزق. فالولايات المتحدة وإسرائيل لم تعتقدا أن إيران ستبقى قادرة على عدم الخضوع رغم إنزال الجحيم عليها، وهي من طرفها تنزف وظهرها للحائط، وعلى أكتاف ساستها خاصة الجدد (خلفاء من اغتيلوا) حمل ثقيل من التاريخ الفارسي منذ آلاف السنوات، وربما تساعدها الجغرافيا وكذلك الديموغرافيا في مواصلة معركة “عضّ الأصابع وكسر العظم”.

ودون وساطات دولية ناجعة وسلّم يعطي فرصة للجميع بنزول معقول عن الشجرة العالية، ستحاول دول الصراع الهروب إلى الأمام، وفق مؤشرات تتجه واشنطن وتل أبيب للتصعيد لدفع إيران للاستسلام، وهي من طرفها إما وقف الحرب أو الذهاب بها لاستنزاف مكلف طويل حتى لنفسها.

خلط شعبان برمضان

مما يعقّد الأزمة المتفجرة إمعان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في خلط “شعبان برمضان”، وإقحام الحسابات الفئوية بحسابات الأمن والمصالح العليا. فهو شخصيا يواجه معركة حقيقية على البقاء في السلطة وفي التاريخ، وتزعجه حقيقة أن كافة الاستطلاعات في إسرائيل منذ بدء الحرب ما زالت عبوسة ولا تعطيه أي فرصة بالنجاح في الانتخابات العامة القريبة.

نتنياهو الذي حوّل إيران منذ صعد للحكم عام 1996 إلى فزاعة و”دجاجة يأكل من بيضها”، بنى صورته كـ”سيد الأمن” و”تشرشل الإسرائيلي” يخشى وقف الحرب الآن مع بقاء النزيف مفتوحا، دون الإجهاز على النظام في إيران، ولا على المشروعين النووي والصاروخي البالستي، فهذا بالنسبة له انتحار، خاصة أن الحرب كانت مكلفة لإسرائيل والإسرائيليين.

في اليوم العشرين للحرب، ما زال نتنياهو وائتلافه يحظون بدعم واسع جدا من المعارضة ومن الإسرائيليين ومن وسائل الإعلام المتجندة، بل شاركت في قرع طبول الحرب منذ البداية. لكن أصواتا متزايدة وإن بقيت قليلة، باتت تبدي تململا وتساؤلا أكثر عن مآلات هذه الحرب، وجدواها ونهايتها.

من هذه الأصوات، رئيس حزب الديموقراطيين يائير غولان، الذي عبّر مجدداعن قلقه من “المغامرة” المتصاعدة ومن فقدان الدعم الأمريكي.

المحرّر البارز في صحيفة “هآرتس” العبرية أوري مسغاف، الذي يتهم المؤسستين الأمنية والصحافية بالتضحية بالدولة على طبق من فضة من أجل نتنياهو، يقول إن هذا الخائف من اقتراب إدانته بتهم الفساد، جر ترامب “الأحمق والأخرق” إلى حرب غير مبرّرة ودون طائل.

ويتبعه بلغة أشد، الكاتب الصحافي جدعون ليفي الذي يقول في الصحيفة ذاتها إن الحرب بشعة، والاغتيالات ليست جزءا حتميا منها، بل هي جرائم قتل، ونتنياهو رئيس عصابة من الدرجة العليا مثله مثل ترامب وهاكابي.

لكن ترامب أيضا وبخلاف تصريحاته حول إنهاء الحرب قريبا، يجد نفسه متورطا في حرب أطول مما تخيل، وربما يحاول إحداث اختراق بالتصعيد، أو شن حملة بريّة خطيرة لتخليص اليورانيوم أو غيرها، مدفوعا بضغوط إسرائيلية ولوبيات يهودية أيضا.