بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

معركة الكرامة: من رحم هزيمة حزيران إلى ميلاد الثقة الفلسطينية بحتمية النصر

معركة الكرامة: من رحم هزيمة حزيران إلى ميلاد الثقة الفلسطينية بحتمية النصر


معركة الكرامة: من رحم هزيمة حزيران إلى ميلاد الثقة الفلسطينية بحتمية النصر21-03-2026

جاءت معركة الكرامة في الحادي والعشرين من آذار/مارس ١٩٦٨، في لحظة عربية و فلسطينية شديدة القسوة ، بعد أقل من عام على هزيمة حزيران ١٩٦٧ التي ترتب عليها احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة و سيناء و الجولان ، وما رافق ذلك من شعور عارم بالانكسار والإحباط في الشارع العربي ، في تلك المرحلة بدا وكأن ميزان القوة قد اختل بالكامل لمصلحة الاحتلال ، وأن الجيوش العربية التي مُنيت بهزيمة قاسية لم تعد قادرة وحدها على استعادة المبادرة ، ومن هنا برزت الحاجة إلى إعادة بناء الروح القتالية العربية والفلسطينية ، وإلى تثبيت فكرة أن الشعب الفلسطيني نفسه قادر على أن يكون في قلب المعركة لا على هامشها.

في هذا السياق ، اكتسبت بلدة الكرامة في الأغوار الأردنية أهمية خاصة ، إذ أصبحت بعد احتلال الضفة الغربية ، قريبة من خطوط التماس الجديدة ، وتحولت إلى قاعدة رئيسية للفدائيين الفلسطينيين ، ولا سيما مقاتلي حركة "فتح"، إضافة إلى وجود فصائل فلسطينية أخرى فيها ، وقد كثفت المجموعات الفدائية عملياتها انطلاقًا من الضفة الشرقية لنهر الأردن باتجاه مواقع الاحتلال ، في محاولة واضحة لنقل الشعب الفلسطيني من موقع تلقي الضربة إلى موقع المبادرة و المقاومة ، ولهذا رأت إسرائيل في الكرامة هدفًا عسكريًا وسياسيًا ، وسعت إلى توجيه ضربة قاسية للفدائيين وتدمير قواعدهم ، وإثبات أن أي محاولة فلسطينية لاستعادة الفعل المقاوم ستُقمع بسرعة وحسم.

و هكذا لم تكن المعركة جولة عسكرية عابرة ، بل كانت نتيجة مباشرة لتداعيات هزيمة ١٩٦٧ ، فالاحتلال أراد أن يكرس مناخ الهزيمة ، وأن يمنع تحول العمل الفدائي إلى ظاهرة شعبية و سياسية و عسكرية صاعدة ، بينما كان الفلسطينيون يرون أن الرد الحقيقي على النكسة لا يكون بالاستسلام لآثارها ، بل بإثبات أن إرادة القتال لم تُهزم ، وأن ما سقط في حزيران يمكن أن يبدأ طريق استعادته بالصمود والإصرار ، لذلك حملت معركة الكرامة منذ بدايتها معنى يتجاوز حدود المكان والزمان ، لأنها كانت معركة على الوعي العربي بقدر ما كانت معركة على الأرض.

عند فجر الحادي والعشرين من آذار ، شنّت القوات الإسرائيلية هجومًا واسعًا على عدة محاور ، مستخدمة المدرعات والمدفعية وسلاح الجو و عمليات الإنزال ، بهدف التوغل في منطقة الكرامة وضرب الوجود الفدائي فيها ، لكن ما واجهته القوات المهاجمة لم يكن انهيارًا ولا فرارًا ، بل مقاومة شرسة شارك فيها الجيش الأردني ببسالة و شراسة إلى جانب الفدائيين الفلسطينيين ، وقد دارت المعركة لساعات طويلة ، وأظهرت أن الاحتلال ، رغم تفوقه التسليحي والتنظيمي ، ليس قادرًا على فرض إرادته بسهولة عندما يواجه مقاتلين متشبثين بالأرض والقرار.

أما الفدائيون الفلسطينيون ، فقد سطّروا في الكرامة صفحة بالغة الأهمية في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني ، لقد قاتلوا بإمكانات محدودة قياسًا بحجم القوة المهاجمة ، لكنهم امتلكوا ما هو أبعد من السلاح : امتلكوا الإرادة، والإيمان بعدالة قضيتهم ، والاستعداد للتضحية ، اذ صدرت تعليمات صارمة من قيادة حركة "فتح" ، و على رأسها القائد العام ياسر عرفات ، حثّت المقاتلين على الصمود و عدم الانسحاب تحت أي ظرف ، لإيصال رسالة واضحة مفادها أن الفلسطيني لم يعد مجرد لاجئ ينتظر قرارات الآخرين ، بل أصبح مقاتلًا قادرًا على المواجهة وتحمل كلفة الاشتباك المباشر ، و في هذا المعنى ، كانت الكرامة إعلانًا سياسيًا وعسكريًا عن ولادة مرحلة فلسطينية جديدة عنوانها الفعل لا الانتظار ، و النصر عنوان كتب بالدم .

ومن هنا تبرز أهمية تعليمات القيادة الفلسطينية حول حتمية النصر ، فهذه الحتمية لم تكن تُفهم بوصفها وعدًا عابرًا أو قراءة عاطفية للواقع ، بل باعتبارها عقيدة كفاحية تؤكد أن الاحتلال ، مهما امتلك من قوة ، لا يستطيع أن يكسر شعبًا قرر القتال جيلاً بعد جيل ، أرادت القيادة الفلسطينية أن تزرع في نفوس المقاتلين والجماهير أن النصر ليس لحظةً معزولة ، بل مسار طويل من الصمود والتراكم والتضحيات ، وأن المعارك قد تُقاس أحيانًا بنتائجها المعنوية و السياسية بقدر ما تُقاس بالموازين العسكرية المباشرة ، و لهذا تحولت الكرامة إلى رمز لحقيقة كبرى مفادها أن الإرادة الفلسطينية ، إذا التحمت بالإيمان والقرار الوطني المستقل ، تستطيع أن تصنع تحولًا تاريخيًا حتى في أحلك الظروف.

لقد أعادت معركة الكرامة الاعتبار إلى المقاتل الفلسطيني و العربي بعد النكسة ، و رفعت مكانة الثورة الفلسطينية في الوجدان الشعبي العربي و العالمي ، وأسهمت في صعود العمل الفدائي وتوسّع الالتفاف الجماهيري حوله ، كما رسخت في الوعي الوطني أن الفلسطيني ليس ضحية فقط ، بل صاحب فعل و مبادرة و مقاومة ، و لهذا كثيرًا ما تُستحضر الكرامة بوصفها محطة أعادت الثقة بإمكان المواجهة ، وكشفت أن الاحتلال يمكن أن يُجبر على التراجع ، وأن أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” يقهر و يُذل.

إن معركة الكرامة ، في عمق معناها الوطني و القومي، مثّلت دفاعًا عن كرامة أمة أنهكتها جراح حزيران ، وعن هوية شعب رفض أن يُحاصر في صورة المنكسر أو أن يُختزل في مأساة اللجوء والتشريد ، و في هذه المعركة ارتفع الفعل المقاوم إلى مستوى الرسالة ، فغدت الكرامة إعلانًا واضحًا بأن الهزيمة لا تستطيع إلغاء إرادة الشعوب ، وأن الألم حين يتصل بالإيمان بالحق يتحول إلى قوة قادرة على صناعة التاريخ ، ومن خلال استبسال الفدائيين الفلسطينيين ، وصمودهم في الميدان ، و تمسك القيادة الفلسطينية بخيار المواجهة ، و غرسها اليقين بحتمية النصر ، تبلورت الرسالة الخالدة للكرامة: أن الشعب الذي يؤمن بحقه ، ويتمسك بأرضه ، ويحوّل وجعه إلى فعل فدائي ، يبقى عصيًا على الانكسار ، وأن طريق الحرية قد يطول ، لكنه يظل مفتوحًا ما دامت الراية مرفوعة والإرادة حيّة في الصدور.