05-09-2026
عملية ميونخ 1972: تحول النضال الفلسطيني إلى الأضواء الدولية
في 5 أيلول/سبتمبر 1972 شهد عام 1972 محطة استثنائية في تاريخ النضال الفلسطيني، حينما نفذت حركة "فتح" واحدة من أكثر العمليات الفدائية إثارة للجدل والاهتمام العالمي، وهي عملية ميونخ. لم تكن هذه العملية مجرد حدث عسكري عابر، بل كانت صرخة سياسية نُظّمت بعناية لإيصال صوت شعب يُعاني تحت الاحتلال وإعادة قضية الأسرى إلى الواجهة الدولية.
الخلفية والأسباب: تراكمات الاعتداءات والرفض الدولي
جاءت عملية ميونخ كحلقة في سلسلة ردود الفعل على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة؛ حيث كانت قوات الاحتلال تشن هجمات عسكرية مستمرة ضد مواقع الثورة الفلسطينية والمدنيين في الجنوب اللبناني وبيروت، ما أسفر عن سقوط العديد من الشهداء.
وفي بداية عام 1972، تقدم رئيس المجلس الأعلى لرعاية الشباب، سعيد السبع، بطلب رسميّ للجنة الأولمبية الدولية لمشاركة وفد رياضي فلسطيني في الدورة الأولمبية الصيفية بميونخ. غير أن الحكومة الألمانية رفضت الطلب الفلسطيني، في حين وافقت على مشاركة الوفد الإسرائيلي. وتزامن ذلك مع تصعيد إسرائيلي تمثل في اغتيال الموساد للكاتب والسياسي الفلسطيني غسان كنفاني وابنة أخته لميس عبر تفجير سيارتهم في بيروت في تموز 1972. هذه العوامل مجتمعة دفعت القيادة الفلسطينية للتفكير في ردّ استراتيجي يسمع العالم من خلاله صوت القضية الفلسطينية.
التخطيط والإعداد: فكرة، تمويل، واستطلاع
خلال مداولات القيادة الفلسطينية، استُبعدت أفكار استهداف السفارات أو القنصليات الإسرائيلية تجنباً لإحراج الدول المضيفة. وهنا طرح "فخر العمري" (أبو محمد) فكرة الاقتحام واحتجاز الرياضيين الإسرائيليين داخل القرية الأولمبية. ورغم تردد "أبو إياد" في البداية، إلا أن "محمد داوود عودة" (أبو داوود) أيّد الفكرة وأقنعه بها، مستنداً إلى أن القيادة الإسرائيلية تعتبر هؤلاء الرياضيين جنوداً في قواتها.
تولى "محمود عباس" (أبو مازن) -المسؤول المالي للحركة آنذاك- تأمين التمويل اللازم من خلال التواصل مع رجال أعمال فلسطينيين وعرب. وفي الوقت نفسه، اتجه أبو داوود إلى ألمانيا لاستطلاع القرية الأولمبية ودراسة مخططاتها ومداخلها وحركة القطارات.
اختير 8 فدائيين لتنفيذ العملية ممن تدربوا على يد القادة: أبو جهاد، وأبو علي إياد، وسعد صايل. وكانت توجيهات القيادة صريحة: عدم استخدام العنف إلا في حالات الضرورة القصوى، كونه هدفاً سياسياً في المقام الأول.
ساعة الصفر وتسلل القرية الأولمبية
في فجر الخامس من أيلول 1972، توجه الفدائيون الثمانية وهم يرتدون ملابس رياضية ويحملون حقائب تخفي أسلحتهم (6 أسلحة كلاشنكوف، ورشاشين من نوع كارد غوستاف، وقنابل يدوية) إلى أبعاد القرية الأولمبية.
وبمحض المصادفة، التقى الفدائيون عند السياج ببعض أعضاء البعثة الأمريكية القادمين من سهرة خارجية؛ فساعد الرياضيون الأمريكيون الفدائيين في تسلق السياج ونقل حقائبهم دون أن يدركوا هوية الفدائيين أو محتوى حقائبهم.
اقتحم الفدائيون مقر البعثة الإسرائيلية واحتجزوا الرياضيين، وعند مواجهة بعض الاحتجاجات والمقاومة من قبل بعض المحتجزين، أطلق الفدائيون النار مما أدى لمقتل اثنين منهم في اللحظات الأولى.
المطالب والمواقف السياسية
عند الساعة الثامنة صباحاً، أعلن الفدائيون للشرطة الألمانية عن هويتهم ومطالبهم، والتي تمثلت في:
الإفراج عن أكثر من 200 أسير فلسطيني وعربي من سجون الاحتلال.
الإفراج عن الأسير الياباني كوزو أوكاموتو (المشارك في عملية مطار اللد).
رفض الفدائيون جميع العروض الألمانية البديلة؛ كاستبدالرهائن بشخصيات ألمانية أو قبول مبالغ مالية. وفي المقابل، أرسلت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير وفداً من الموساد إلى ميونخ، وأصدرت أوامر حاسمة بفك أسر الرياضيين وعدم الرضوخ للمطالب، حتى لو كلف ذلك حياة البعثة بأكملها.
كمين المطار ونهاية درامية
أوهمت السلطات الألمانية الفدائيين بالموافقة على نقلهم مع الرهائن عبر طائرات مروحية إلى مطار عسكري تمهيداً لنقلهم إلى القاهرة. لكن الخطوة كانت مجرد خدعة بالتنسيق مع الموساد لنصب كمين محكم.
نُقل الجميع إلى المطار العسكري حيث كانت الشرطة الألمانية قد نشرت قناصيها في مواقع مرتفعة. وفور وصول المروحيتين، بدأ القناصة بإطلاق النار. وعلى الرغم من تنبؤ الفدائيين للكمين واستعدادهم للمواجهة، اندلعت اشتباكات عنيفة استمرت لنحو 3 ساعات.
أسفرت هذه الاشتباكات المأساوية عن:
مقتل جميع أعضاء البعثة الإسرائيلية المحتجزين برصاص القناصة والاشتباكات.
استشهاد 5 من الفدائيين الفلسطينيين وهم:
1- الشهيد الدكتور (محمد توفيق مصالحة)، 27 عاماً، من قرية دبورية قضاء الناصرة - فلسطين. حاصل على شهادة دكتوراه في الجيولوجيا النفطية من ألمانيا.
2- الشهيد (خالد محمد جواد) (يعرفونه في المخيم: ابن أبو عادل، والذي كانت مهنته توزيع البريد على سكان مخيم شاتيلا بواسطة دراجة هوائية)، عمره 18 عاماً، من سكان مخيم شاتيلا، البلد الأصلي: عرّابة قضاء جنين - فلسطين، كان يلعب مهاجماً في صفوف نادي الكرمل الرياضي لكرة القدم.
3- الشهيد (يوسف فرج مناع) ، عمره 18 عاماً، من سكان مخيم شاتيلا، البلد الأصلي: مجدالكروم قضاء عكا - فلسطين، كان يلعب رأس حربة في صفوف نادي الكرمل الرياضي لكرة القدم.
4- الشهيد (عفيف أحمد حميد) (ابن ابو لطفي)، عمره 23 عاماً، من سكان مخيم عين الحلوة، البلد الأصلي: عين الزيتون قضاء صفد - فلسطين.
5- الشهيد (محمود فقهي خليل نزال) مواليد قباطية - قضاء جنين - فلسطين , 29 عاماً، درس اللغة الإنجليزية وآدابها، وعمل في شركة بريطانية للبترول في الكويت، ثم التحق بالمقاومة الفلسطينية.
مقتل ضابط شرطة ألماني.
اعتقال الفدائيين الثلاثة المتبقين بعد نفاد ذخيرتهم (والذين أُفرج عنهم لاحقاً بعد نحو شهر) وهم:
1- (جمال خليل الجشي) عمره 22 عاماً، من سكان مخيم شاتيلا، البلد الأصلي: الكويكات قضاء عكا - فلسطين. كان لاعباً في صفوف نادي الكرمل الرياضي لكرة القدم.
2- (محمد الصفدي) عمره 22 عاماً، من سكان مخيم شاتيلا، البلد الأصلي: الكابري قضاء عكا - فلسطين. كان لاعباً في صفوف نادي الكرمل الرياضي لكرة القدم.
3- (عدنان عبد الغني الجشي) (ابن أبو عصام)، 20 عاماً، من سكان مخيم شاتيلا، البلد الأصلي: الكويكات قضاء عكا - فلسطين. كان لاعب خط وسط وإدارياً في صفوف نادي الكرمل الرياضي لكرة القدم
الخاتمة والأثر التاريخي
ورغم النهاية الدموية للعملية، إلا أنها حققت اختراقاً إعلامياً وسياسياً غير مسبوق، ونقلت القضية الفلسطينية من نطاقها المحلي والإقليمي إلى قلب الاهتمام الدولي. شكلت عملية ميونخ 1972 علامة فارقة ونقطة تحول رئيسية حوّلت أنظار العالم نحو المعاناة الفلسطينية وشعبٍ يطالب بحقوقه المشروعة.

