على وقع قرع طبول الحرب على إيران، تخوض الولايات المتحدة الأميركية انتخاباتها النصفية في معركة تحتدم بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتكاد تتحول إلى مواجهة داخلية مفتوحة، في ظل إصرار الرئيس دونالد ترامب على تصوير هذه الانتخابات باعتبارها الأهم في تاريخ أميركا، محذّراً من أن فوز الديمقراطيين سيقود إلى انهيارها.
المعركة الانتخابية الأميركية لا تنفصل عن التصعيد العسكري في المنطقة، بل تتداخل معه إلى حدّ يصعب معه تحديد ما إذا كان ترامب يخوض حرباً لتأمين مصالحه، أم يستخدم التهديد بالحرب لحماية مصالحه الانتخابية.
يحبس العالم أنفاسه أمام تصريحات ترامب المتناقضة، بين التلويح بمواجهة عسكرية مع إيران وحشد القوات وتأمين التجهيزات اللازمة لها، والتأكيد أنه “لم يتخذ قرار الحرب، وأن الاتفاق مع طهران لا يزال ممكناً”.
هذا التناقض لا يقتصر تأثيره على الحسابات السياسية، بل ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية وحكومات الدول التي بدأت تحذّر من تداعيات التصعيد، وتدعو مواطنيها إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة وتخزين المواد الغذائية تحسّباً لأي اضطرابات قد تتجاوز حدود المنطقة.
انتخابياً يقف ترامب أمام معادلة معقدة، فهو يريد الحفاظ على دعم اللوبي الصهيوني والقوى المؤيدة لتجديد المواجهة مع إيران، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن قطاعات واسعة من المجتمع الأميركي لا تريد الانزلاق إلى هذه الحرب، بما تحمله من أكلاف بشرية واقتصادية، وما قد تفرضه من أعباء إضافية على الداخل الأميركي.
لذلك تبدو المراوحة بين التصعيد والحديث عن التفاوض محاولة للإمساك بالعصا من وسطها، وإرضاء الأطراف المتناقضة إلى حين اتضاح نتائج صناديق الاقتراع.
خسارة الجمهوريين قد تضعف موقع ترامب السياسي وتفتح الباب أمام تصعيد داخلي أشد، وتدفعه إلى البحث عن إنجاز خارجي يعيد من خلاله فرض حضوره وخلط الأوراق.
في مثل هذا السيناريو، لا يمكن استبعاد أن يلجأ إلى توسيع المواجهة مع إيران، وإن كان الحديث عن استخدام أسلحة غير تقليدية يبقى احتمالاً بالغ الخطورة لا يمكن الجزم بأنه خيار مطروح فعلاً.
أما إذا خرج الجمهوريون من الانتخابات أقوى، فقد يقرأ ترامب النتيجة باعتبارها تفويضاً إضافياً لسياساته، ويشعر بأن هامش المناورة أمامه أصبح أوسع، عندها، قد يندفع نحو تشديد الضغوط على طهران، أو الإطاحة بالمسار التفاوضي إذا اعتقد أن القوة العسكرية قادرة على فرض شروطه وتحقيق ما عجزت عنه المفاوضات.
وبذلك، لا تعني الخسارة اندلاع الحرب، كما لا يضمن الفوز السلام؛ إذ قد يقود كل من السيناريوهين، لأسباب مختلفة، إلى تصعيد جديد.
المفارقة أن الانتخابات التي يُفترض أن تعبّر عن خيارات الأميركيين وأولوياتهم الداخلية، باتت مرتبطة بمصير منطقة كاملة، وباحتمالات مواجهة قد لا تبقى محصورة بين واشنطن وطهران. فترامب الذي يربط فوز خصومه بانهيار الولايات المتحدة، يضع نفسه أمام اختبار سياسي يصعب فصله عن قراراته الخارجية، فيما تبقى شعوب المنطقة رهينة حسابات لا تشارك في صنعها، لكنها تتحمل القسم الأكبر من كلفتها.
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام حرب تُستخدم أوراقها في الداخل الأميركي، أم أمام انتخابات قد تحدد توقيت الحرب ومسارها؟
في الحالتين، قد تكشف نتائج الانتخابات النصفية حقيقة الخيارات الأميركية، وما إذا كان ترامب سيقدّم حسابات الداخل على مخاطر الحرب، أم سيجعل من التصعيد الخارجي وسيلة لتعويض أي انتكاسة سياسية.
