نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا للمحللة في معهد بروكينغز، أصلي أيدنطاشباش، حللت فيه مخاطر الحرب ضد إيران على تركيا، وأوضحت أن أنقرة لو خرجت من الحرب الحالية سالمة فلا تستطيع البقاء متفرجة.
وقالت إن تركيا سعت جاهدة للبقاء بعيدة عن الحرب الإيرانية، محافظة على حيادها بدقة. ويمكنها في هذا الجهد الاستناد إلى سوابق من تاريخها، مثل التوازن الدقيق الذي مارسته أنقرة خلال الحرب العالمية الثانية. ففي ذلك الوقت، كان قادة تركيا يدركون تماما عزلة الجمهورية الفتية الجيوسياسية وضعفها العسكري، وكانوا مصممين على عدم تكرار خطأ أسلافهم العثمانيين، الذين انحازوا إلى الجانب الخاطئ في الحرب العالمية السابقة، مما أدى إلى انهيار الإمبراطورية.
وتقول الكاتبة إن الحرب ضد إيران تطلبت نفس الحسابات السابقة، وعلى عكس ما كان عليه الحال في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، تسعى تركيا اليوم إلى لعب دور أكبر على الساحة الدولية.
فقد بدا سقوط الرئيس السوري بشار الأسد على يد جماعات مسلحة مدعومة من تركيا وفصائل أخرى في أواخر عام 2024، وكأنه قد منح أنقرة ثقة بأنها أصبحت قوة إقليمية أكثر نفوذا، لكن تركيا لا تمتلك بعد القوة الاقتصادية أو العسكرية اللازمة لتشكيل الأحداث وفقا لشروطها الخاصة، وبخاصة أن علاقاتها مع اللاعبين الرئيسيين في المنطقة حساسة جدا، فهي لا تزال في المراحل الأولى من إعادة ضبط علاقاتها مع الولايات المتحدة، كما تدهورت علاقاتها مع إسرائيل بشكل كبير في السنوات الأخيرة.
رغم أن إيران منافس تاريخي، إلا أن أنقرة لم تكن تريد هذه الحرب، وقضت الأشهر الأولى من عام 2026 في قيادة الجهود الإقليمية لإقناع طهران وإدارة ترامب بمنح المفاوضات النووية فرصة أخرى
وقد حاولت تركيا وضع مسافة بعيدة عن الحرب، فلم تدعم الحملة الأمريكية الإسرائيلية كما فعلت بعض دول الخليج العربي، ولم تسمح للولايات المتحدة أو إسرائيل باستخدام مجالها الجوي لشن ضربات ضد إيران. ويعود ذلك إلى علاقة تركيا بإيران، المعقدة والمستقرة في الوقت نفسه، والتي تمتد لقرون.
ورغم أن إيران منافس تاريخي، إلا أن أنقرة لم تكن تريد هذه الحرب، وقضت الأشهر الأولى من عام 2026 في قيادة الجهود الإقليمية لإقناع طهران وإدارة ترامب بمنح المفاوضات النووية فرصة أخرى. فأخشى ما تخشاه تركيا هو تدفق اللاجئين من إيران بشكل يضر باقتصادها ويؤثر على استقرارها السياسي الداخلي.
والآن، تبذل أنقرة قصارى جهدها لتجنب الانجرار إلى دوامة الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل، إلا أن موقفها الحيادي لن يحميها على الأرجح من النتائج السلبية للحرب.
وترى الكاتبة أن الحرب تهدد أنقرة من جوانب عديدة: فقد تخل بالتوازن الهش في علاقتها مع طهران، وقد تعرقل عملية السلام الكردية الجارية في الداخل. والأهم من ذلك هو بروز إسرائيل، الخصم الاستراتيجي لتركيا، كقوة مهيمنة في المنطقة.
ولا تستطيع أنقرة التحكم في مسار الحرب، لكن مجرد تجنب الانجرار إليها لم يعد أفضل وسيلة لها لتعزيز مصالحها في جوار مضطرب. فهي وإن حاولت تجنب الانجرار في الحرب، لكن عليها أن تتحرك استباقيا في عدة مجالات لضمان خروجها من هذه الأزمة ليس فقط سالمة، بل وفي وضع أقوى.
وتقول الكاتبة إن تركيا فضلت دائما إدارة الخلافات مع إيران ذات النفوذ المتزايد، بدلا من مواجهة جارتها.
فالعلاقة بين البلدين ليست علاقة صداقة ولا عداء صريحا، بل هي نوع من التعايش التنافسي، وقد سبق هذا الوضع تأسيس الجمهوريات الحديثة. فعلى مدى قرون، تنافست الإمبراطوريتان العثمانية والصفوية على النفوذ الإقليمي، وبعد أكثر من قرن من الحروب المتقطعة، ظهرت صيغة للتعايش من خلال اتفاقية قصر شيرين عام 1639، التي رسمت الحدود على طول جبال زاغروس، ورسخت تفاهما لا يزال يؤثر في العلاقات الإيرانية التركية: لا حرب مباشرة ولا تدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.
أما اليوم، فتسيطر حالة عدم ثقة عميقة بين تركيا وإيران، وهذا نابع من دعم الدولتين أطرافا مختلفة في حروب ونزاعات سياسية تمتد من العراق إلى سوريا وجنوب القوقاز.
اليوم، تسيطر حالة عدم ثقة عميقة بين تركيا وإيران، وهذا نابع من دعم الدولتين أطرافا مختلفة في حروب ونزاعات سياسية تمتد من العراق إلى سوريا وجنوب القوقاز
وعلى عكس بعض شركاء الولايات المتحدة في الخليج، لا ترغب تركيا في رؤية هزيمة إيرانية ساحقة. فرغم قلقها الدائم إزاء برامج إيران النووية والصاروخية الباليستية، ورغبتها الأكيدة في عدم تعزيز قوة إيران، تخشى تركيا أيضا انقسام إيران أو انزلاقها إلى الفوضى. فإيران المنهارة قد تدفع اللاجئين إلى تركيا، وتؤجج الدعوات الانفصالية بين الجماعات الكردية في المنطقة، بشكل يحول جوار تركيا الشرقي إلى منطقة متوترة. وترى أنقرة أن هذه الفوضى أشد خطورة من بقاء نظام إيراني معاد.
ولهذا التزمت تركيا الحذر من دعم الحرب أو التورط في الاضطرابات الأخيرة في إيران. فعندما هزت الاحتجاجات الشعبية إيران في كانون الثاني/يناير، امتنع القادة الأتراك عمدا عن توجيه أي انتقادات لحملة القمع التي شنها النظام.
وربما تشعر تركيا الآن بالارتياح لعدم تحقق أسوأ مخاوفها، ألا وهي انهيار الدولة في إيران، وما تفضله تركيا في هذه المرحلة هو إيران مستقرة ولكن مقيدة، ضمن اتفاق دائم من النوع الذي طالما فضلته تركيا، وهو اتفاق أقرب في روحه ومضمونه إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 منه إلى دبلوماسية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الارتجالية والمتقلبة، مع وضع حدود قابلة للتحقق على البرنامج النووي الإيراني ونفوذه الإقليمي. مثل هذه النتيجة ستخدم أولويات تركيا بشكل أفضل: منع تجدد الحرب، وتحد من النفوذ الإيراني في القوقاز، وتفتح المزيد من المجال للتجارة عبر جنوب القوقاز وصولا إلى آسيا الوسطى. كما أن أي تخفيف تدريجي للعقوبات المفروضة على طهران من شأنه أن يجعل تركيا شريكا تجاريا رئيسيا لإيران وقوة اقتصادية إقليمية مؤثرة.
ومن ناحية أخرى، كشفت الحرب في إيران عن هشاشة عملية السلام التي تقودها أنقرة مع حزب العمال الكردستاني.
وقد تقوض الحرب على الحدود الشرقية لتركيا مساعيها لحل الملف الكردي. فقد انتابت أنقرة حالة من القلق عندما طرح ترامب، بعد وقت قصير من الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأولية، فكرة استخدام القوات الكردية الإيرانية لإشعال انتفاضة داخل إيران.
ورأت تركيا في ذلك خطوة محتملة نحو الحكم الذاتي الكردي، وتحركا قد يعيد العلاقات الأمريكية التركية إلى فترة التوتر الشديد التي شهدتها قبل نحو عقد من الزمن، حين قامت واشنطن بتسليح القوات الكردية السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وأرسلت قوات أمريكية للقتال إلى جانبها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.
وفي جلسات مغلقة، أبدى المسؤولون الأتراك تخوفهم من أن أي محاولة خارجية لتسليح الأكراد الإيرانيين، بمن فيهم أولئك المرتبطون بحزب العمال الكردستاني، ستجعل الحركة بأكملها أقل استعدادا لإلقاء السلاح وعقد اتفاق شامل مع تركيا.
وتشعر أنقرة بالقلق أيضا إزاء تنامي دور إسرائيل الإقليمي ونفوذها في واشنطن. فمن وجهة نظر أنقرة، لا تعد الحرب الإسرائيلية على إيران حملة عسكرية معزولة، بل جزءا من جهد أوسع لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة. ويرى العديد من المعلقين والسياسيين في تركيا الآن أن هذه الاستراتيجية، جزئيا على الأقل، محاولة لتطويق تركيا واحتوائها.
قصفت إسرائيل قواعد جوية في سوريا كانت تركيا تدرس استخدامها، كما عززت إسرائيل تعاونها الدفاعي مع اليونان وقبرص بطرق تهدف صراحة إلى تحدي تركيا
وقد قصفت إسرائيل قواعد جوية في سوريا كانت تركيا تدرس استخدامها، كما عززت إسرائيل تعاونها الدفاعي مع اليونان وقبرص بطرق تهدف صراحة إلى تحدي تركيا. كما بات المعلقون الإسرائيليون ينظرون إلى تركيا بشكل متزايد على أنها تهديد طويل الأمد، مما أثار حفيظة المراقبين الأتراك. وبالمحصلة، لا تريد أنقرة أن تهيمن إيران على المنطقة، لكنها لا تريد أن يكون نظام ما بعد الحرب محددا بالهيمنة الإسرائيلية وعدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة.
ومن هنا فالبقاء خارج الحرب يمنح تركيا بعض الوقت لاستخدام الدبلوماسية في محاولة لإقناع واشنطن بالالتزام بتسوية تفاوضية تحد من برامج إيران النووية والصاروخية دون أن تؤدي إلى انهيار الدولة الإيرانية.
وتقول الكاتبة إن الحروب الكبرى بين القوى العظمى وحلفائها الإقليميين أعادت في الماضي تعريف الدولة التركية، فقد دمرت الحرب العالمية الأولى الإمبراطورية العثمانية، وجردتها من جزء كبير من أراضيها في الشرق الأوسط، وأسفرت عن قيام الجمهورية التركية الحديثة. وساهم حياد تركيا في الحرب العالمية الثانية في دعم حكومة استبدادية في الداخل، لكن الحرب ربطت تركيا في نهاية المطاف بالغرب المنتصر.
ولكي تتجاوز أنقرة تداعيات هذه الفترة المضطربة، لا يمكنها الاعتماد فقط على التحوط التكتيكي. وعليها أولا دفع عملية السلام مع الأكراد، وهي مفاوضات لها تداعيات على مناطق النزاع في تركيا وكذلك في العراق وسوريا. ثانيا: يجب على تركيا أيضا العمل على تحقيق الاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها وبذل جهود دبلوماسية حيثما أمكن. عليها أن تبذل كل ما في وسعها لمساعدة حكومتي العراق وسوريا على تجاوز الأزمات الراهنة.
ومن شأن استقرار العراق وسوريا أن يهدئ الأوضاع على الحدود التركية ويعزز موقف أنقرة في أي نظام إقليمي سينشأ بعد الحرب. وفي نهاية المطاف، ستحتاج أنقرة إلى فتح حوار مع إسرائيل لمناقشة الأمن الإقليمي والتفاوض بشأن مستقبل سوريا. كما سيعزز فتح الحدود مع أرمينيا ما يسمى بالممر الأوسط عبر جنوب القوقاز وآسيا الوسطى. ومن شأن هذه الخطوة أن تقلل اعتماد أنقرة على طرق التجارة الجنوبية الأكثر اضطرابا في ظل الاضطرابات الحادة التي تشهدها المنطقة في قطاعي الطاقة والشحن.
ومن الناحية النظرية، فمن شأن حل النزاعات التركية المتبقية مع الولايات المتحدة أن يسهم في تخفيف العقوبات وإعادة فتح قنوات التعاون الدفاعي.
وعلى المدى البعيد، لا خيار أمام تركيا سوى تحقيق الاكتفاء الذاتي في سياستها الصناعية الدفاعية. وباختصار، تحتاج تركيا إلى استراتيجية متماسكة تمكنها من الحفاظ على استقرارها الداخلي مع الأكراد، وتأمين حدودها، والبروز كمركز إقليمي للترابط في مجالي الطاقة والتجارة. وهذا يعني التعامل مع تقلبات الحرب وتنافس القوى العظمى، دون الاكتفاء بتحسين العلاقات مع واشنطن وحدها. قد يبدو إعلان الحياد في الصراع القرار الصائب لدولة في وضع تركيا، ولكن إذا أرادت تركيا الخروج من فترة الاضطرابات الإقليمية أكثر أمانا لا أكثر ضعفا، فلا يمكنها البقاء على الحياد تماما.

