بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

في غزة.. أخشاب صناديق البضائع تتحول إلى أثاث

في غزة.. أخشاب صناديق البضائع تتحول إلى أثاث


في غزة.. أخشاب صناديق البضائع تتحول إلى أثاث04-09-2026

أجبر العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ قرابة ثلاثة أعوام، المواطنين على اللجوء إلى إعادة تدوير المواد الخام القديمة واستخدامها في حياتهم اليومية، ومنها أخشاب صناديق البضائع وبعض الأخشاب المستخرجة من المنازل المقصوفة.

فخشب صناديق البضائع، أو ما يطلق عليه في القطاع "خشب المشاطيح"، أصبح قبلة المواطنين لإعادة استخدامه وتصنيع أثاث منزلي أو طاولات وكراسٍ وغيرها من الاستخدامات، في ظل شح الأخشاب ومنع الاحتلال إدخالها وغيرها من المواد الضرورية للحياة اليومية منذ بداية الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وقال المواطن عبد الله نوفل، إنه مقبل على الزواج ويحتاج إلى غرفة نوم وبعض الأثاث المنزلي، وبسبب ندرة غرف النوم الجديدة أو عدم وجودها أصلا، لجأ إلى ورشة نجارة تقوم بإعادة تدوير أخشاب المشاطيح وصناعة أثاث منها، رغم عدم حصولها على الجودة والتشطيب الجيد، إلا أنها تبقى الخيار الأفضل المتوفر حاليا في القطاع.

وذكر نوفل أن الأخشاب، من حيث الشكل العام، تبقى أفضل من تلك الغرف التي يتم تصنيعها من قضبان الحديد المستخدمة والمستخرجة من المباني المدمرة، مشيرا إلى أن أسعار الأثاث المصنع من أخشاب المشاطيح مرتفعة الثمن مقارنة بجودة التصنيع وشكله العام.

بينما قال المواطن محمود شراب، إنه قام باستخدام أخشاب المشاطيح في تجهيز بقالته كاملة، من باب وديكور خارجي وأرفف للبضاعة، ويرى أنه من الممكن الاستعاضة عن الأخشاب الجديدة بتلك المستخدمة، وفي النهاية تؤدي الغرض نفسه، لكن الجديدة يبقى لها جمالها وتعطي منظرا أجمل، إلا أن فرق السعر الكبير جدا يجبر المواطنين على استخدام الأخشاب القديمة في احتياجاتهم.

فيما قال المواطن ماجد زيدان، إنه استخدم أخشاب المشاطيح في صناعة بعض الكراسي والطاولات بعدة أحجام لاستخدامها في الجلوس والاستعاضة بها عن الكنب والكراسي البلاستيكية والفراش الأرضي المصنع من الإسفنج، لأن كل الخيارات السابقة صعب الحصول عليها، ويبقى خشب المشاطيح الذي بدأ يتوفر في الأسواق مؤخرا يلبي حاجة المواطنين الذين يعيشون في ظروف صعبة وغاية في التعقيد.

بينما قال المواطن حازم مهدي، إنه لجأ إلى استخدام خشب المشاطيح في تشييد وإغلاق جدران منزله المهدمة، من خلال توصيل ألواح الخشب مع بعضها بعضا، ومن ثم وضع الشوادر عليها، مشيرا إلى أن أخشاب المشاطيح في الفترة الحالية تعتبر الأكثر وفرة والأقرب لتلبية حاجيات السوق والمواطن معا.

أما النجار زياد أبو عليان، فقال إن لجوء المواطنين المنكوبين إلى استخدام خشب المشاطيح في أثاثهم ومتطلبات حياتهم، دفع عددا من ورش النجارة إلى العمل من جديد بعد ثلاث سنوات من التوقف، ولكن في بيئة صعبة وأدوات متهالكة وعدة قديمة، وعند توفيرها تكون بأسعار تفوق الخيال، وكل هذه الأعباء يتم تحميلها على عاتق المواطن الراغب في الحصول على الأثاث، الأمر الذي يزيد سعره، لأن التكلفة مرتفعة في ظل شح الأدوات والإمكانيات.

وذكر أنه يقوم بتشغيل عدد من العمال لتفكيك المشاطيح من بعضها، وخلال عملية التفكيك يكون هناك فاقد من ألواح الخشب التي تنكسر، فيقوم ببيعها بالكيلو للمواطنين لاستخدامها في إشعال النار للطهي، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار الكهرباء، وكذلك المسامير والبراغي وزوايا التجميع والطلاء، يزيد من تكلفة التصنيع.

بينما قال النجار إبراهيم خاطر، إن هناك إقبالا ملحوظا من المواطنين في الآونة الأخيرة على شراء الأثاث المصنع من المشاطيح والأخشاب القديمة المستخرجة من تحت ركام المنازل، لأنه لا يوجد أخشاب جديدة في الأسواق، وإن وجدت تكون قليلة الجودة وغالية الثمن.

ولفت إلى أن أسعار تكلفة غرف النوم وغرف الأطفال والطاولات والكراسي متفاوتة حسب التكلفة القبلية للأخشاب والمسامير والسنفرة والدهان، مشيرا إلى أن بعض الغرف يصل سعرها إلى أكثر من 3500 شيقل، وأخرى يصل سعرها إلى 2800 شيقل، وكذلك الأسرة المفردة تتفاوت من 400 إلى 800 شيقل، والكرسي من 120 إلى 250 شيقلا، والطاولات من 250 إلى 400 شيقل، حسب الحجم وكمية الخشب المستخدم.

وذكر أن المدارس والمبادرات التعليمية لجأت إلى استخدام أثاث مدرسي كامل من أخشاب المشاطيح، بدلا من جلوس الطلبة على الأرض كما كان في العامين أو الثلاثة السابقة، ويرى أن هذا الأثاث يلبي الحد الأدنى المطلوب منها لحين توفر بدائل أفضل.

وأضاف أن أكثر ما يلجأ إليه المواطنون في الوقت الحالي هو شراء أسرة وخزانات وأسرة أطفال وطاولات وكراسٍ، رغم عدم وجود مساحات لوضعها، إلا أنهم يرون أنها قد تعيد لهم بعض الطمأنينة والاستقرار، وتذكرهم بأيام ما قبل الحرب، حيث كانوا يعيشون في مساكن وشقق، والآن أصبحوا يعيشون في خيام بالية بعيدة عن مناطق سكناهم الأصلية، في محاولة منهم للتغلب على الوضع القائم.

وتبقى الحاجة أم الاختراع، فالغزيون، رغم ما ألم بهم من حرب ونزوح وتشريد، إلا أنهم يتعالون على الجراح في سبيل العيش بكرامة، وأصبحوا يصنعون من مواد قديمة لا قيمة لها في كثير من بلدان العالم، أثاثا وديكورات وأرفف محال تجارية وحوامل أدوات مطبخ، في سبيل نسيان الألم الذي يعيشونه.

فمشاطيح الخشب التي كانت تحمل في يوم ما بضائع ومساعدات، أصبحت، وبفعل الحاجة إليها رغم بساطتها، أثاثا وديكورا مرتفع الثمن بسبب غلاء الأسعار وشح الكهرباء وقلة ورش النجارة، ليثبت أهل غزة أن لا شيء مستحيل، وأن لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة.