بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

الصين تفاجئ العالم من الفضاء... تقنية ليزر تثير قلق واشنطن

الصين تفاجئ العالم من الفضاء... تقنية ليزر تثير قلق واشنطن

حققت الصين إنجازًا تكنولوجيًا غير مسبوق في الفضاء، بعدما نجحت في تنفيذ عملية قطع دقيقة باستخدام أشعة الليزر خارج محطتها الفضائية "تيانغونغ"، بواسطة ذراع روبوتية تُدار عن بُعد. لكن هذا التطور، الذي قد يفتح الباب أمام ثورة في صيانة الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية، أثار في المقابل مخاوف أمنية أميركية من إمكان تحويل التكنولوجيا نفسها إلى سلاح قادر على تعطيل الأقمار الصناعية أو تدميرها، في ظل احتدام المنافسة الاستراتيجية بين واشنطن وبكين.


وبحسب تقرير لوكالات الأنباء نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، اليوم الخميس، نجح علماء فضاء صينيون في تنفيذ أول عملية قطع دقيقة بالليزر في مدار حول الأرض، في تجربة أُجريت خارج محطة الفضاء الصينية "تيانغونغ" (Tiangong)، باستخدام ذراع روبوتية مزوّدة بمنظومة ليزر متطورة.

وتمكّنت المنظومة من قطع جزء من معدّات كبيرة بدقة تصل إلى بضعة مليمترات، في خطوة تُعدّ إنجازًا مهمًا في مجال العمليات التقنية التي يمكن تنفيذها مباشرة في الفضاء، من دون الحاجة إلى إعادة المعدات إلى الأرض.

ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة "Science and Technology Daily" الصينية الرسمية، الأربعاء 4 تشرين الثاني، جرى تشغيل المنظومة عن بُعد، من مسافة تبلغ مئات الكيلومترات، ونجحت في تنفيذ عملية القطع رغم الظروف البيئية القاسية السائدة في الفضاء.

وتكتسب التجربة أهمية خاصة بالنظر إلى التعقيدات التقنية المرتبطة باستخدام الليزر خارج الأرض، إذ تتطلب عملية القطع تركيز حزمة ضوئية عالية الطاقة على نقطة محددة، بهدف قطع المواد أو صهرها، مع ضرورة التحكّم الدقيق في مسار العملية ومخلّفاتها.

وطوّر المنظومة فريق مشترك من جامعة هواجونغ للعلوم والتكنولوجيا (HUST) ومعهد شنغهاي لمصادر الطاقة الفضائية.

وبحسب الباحثين، استغرقت عملية التطوير سنة واحدة فقط، بدءًا من إعداد التصاميم الأولية وصولًا إلى إنتاج نموذج جاهز للإطلاق إلى الفضاء، في فترة زمنية قصيرة قياسًا بالتحديات الهندسية التي ينطوي عليها المشروع.

وأوضح البروفيسور هوانغ يو، الذي ترأس فريق البحث في الجامعة الصينية، أن الصيانة الدورية والإصلاحات الدقيقة تشكّل شرطًا أساسيًا لضمان استمرار تشغيل المحطات الفضائية لفترات طويلة.

وأشار إلى أن تكييف تكنولوجيا القطع بالليزر للعمل في الفضاء فرض على العلماء مواجهة سلسلة من التحديات الهندسية، أبرزها الظروف البيئية القاسية، والحاجة إلى تحديد مواقع المعدات بدقة تصل إلى المليمترات، وتنفيذ عمليات قطع بمستوى دقة يبلغ الميكرومترات.

وللتغلّب على هذه التحديات، جرى تجهيز المنظومة بآليات تحديد موقع متعددة المحاور ونظام رؤية متقدم، يمكّنها من التعرّف إلى المنطقة المطلوب قطعها، وتوجيه شعاع الليزر نحوها، وتنفيذ العملية بصورة آلية.

وفي بيان أصدرته كلية الهندسة الميكانيكية في جامعة هواجونغ خلال أيلول الماضي، أوضحت الجامعة أن نظام الرؤية الجديد يستطيع توجيه الجهاز إلى الهدف المطلوب، والتعرّف إليه، وتحديد موقعه بالدقة اللازمة، قبل تنفيذ القطع بالليزر وجمع بقايا المواد الناتجة عن العملية.

وبحسب الجامعة، تتيح هذه التكنولوجيا إجراء إصلاحات آلية في محطة "تيانغونغ"، ما قد يسهم في إطالة عمرها التشغيلي وتقليل الحاجة إلى تدخل رواد الفضاء بصورة مباشرة في أعمال الصيانة المعقّدة.

ولا تقتصر التطبيقات المحتملة لهذا الإنجاز على المحطة الصينية، إذ يمكن أن يشكّل أساسًا لتطوير منظومات متقدمة لصيانة المركبات الفضائية والأقمار الصناعية وإصلاحها مباشرة في مداراتها، من دون الحاجة إلى إعادتها إلى الأرض.

وتكتسب هذه الإمكانية أهمية كبيرة في قطاع الفضاء، حيث تتطلب معالجة الأعطال أحيانًا تنفيذ عمليات تقنية شديدة التعقيد، أو إرسال قطع غيار ومعدات إضافية من الأرض، بما يرافق ذلك من تكاليف مرتفعة وتحديات لوجستية.

وفي المقابل، يمكن للمنظومات الروبوتية القادرة على قطع المكوّنات ولحامها وإصلاحها في مواقعها الفضائية أن تخفّض تكاليف التشغيل والصيانة، وتسهّل تنفيذ المهمات الطويلة الأمد خارج الأرض.

إلا أن الإنجاز الصيني، رغم تطبيقاته المدنية المحتملة، أثار اهتمامًا خاصًا داخل المؤسسة الأمنية الأميركية، في ظل المخاوف من الاستخدامات العسكرية الممكنة لتكنولوجيا الليزر في الفضاء.

وتشير المعلومات إلى أن جامعة هواجونغ صُنّفت في الولايات المتحدة ضمن المؤسسات التي تثير مخاوف أمنية، فيما أُدرجت شركات ومنشآت مرتبطة بها على قوائم الجهات الخاضعة للرقابة لدى مكتب الصناعة والأمن الأميركي.

وتنبع هذه المخاوف من الطبيعة المزدوجة لتكنولوجيا الليزر، التي يمكن استخدامها في عمليات الصيانة والإصلاح، لكنها قد تتيح أيضًا تطوير منظومات طاقة موجّهة قادرة على استهداف الأقمار الصناعية أو تعطيل الأنظمة الفضائية أو حتى تدمير مركبات تعمل في المدار.

وفي هذا السياق، تستثمر الصين والولايات المتحدة على حد سواء في أبحاث تطوير منظومات الليزر والأسلحة القائمة على الطاقة الموجّهة، في إطار سعي كل منهما إلى تعزيز قدراته التكنولوجية والعسكرية في الفضاء.

ويثير هذا السباق مخاوف من انطلاق مرحلة جديدة من التنافس العسكري خارج الغلاف الجوي، مع تزايد أهمية الأقمار الصناعية بالنسبة إلى الاتصالات والمراقبة والأنظمة الاستراتيجية.

وكانت وكالة استخبارات الدفاع الأميركية قد نشرت، خلال تشرين الأول الماضي، تقريرًا حذّرت فيه من احتمال امتلاك الصين القدرة على نشر أسلحة تعتمد على الطاقة الموجّهة في الفضاء بحلول نهاية العقد الحالي.

لكن التقرير الأميركي لم يقدّم أدلة تثبت صحة هذا التقدير، كما لم يحدّد ما إذا كانت المنظومات المحتملة ستعتمد على أشعة الليزر أو على موجات ميكروويف عالية الطاقة.

وفي الوقت نفسه، لم تُعرض أي أدلة تشير إلى أن منظومة القطع بالليزر التي طوّرتها الصين وثبّتها خارج محطتها الفضائية مخصّصة للاستخدام العسكري.

ولا تنفرد الصين بتطوير تكنولوجيات مماثلة، إذ تعمل وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" بدورها على تطوير منظومات متقدمة لصيانة المعدات وتصنيع المكوّنات وإصلاحها في المدار حول الأرض وعلى سطح القمر، بما في ذلك استخدام أشعة الليزر في عمليات اللحام.

وفي وثيقة بحثية نشرها مركز مارشال لرحلات الفضاء التابع لـ"ناسا" خلال تموز الماضي، أشار الباحثون إلى إمكان استخدام منظومات الليزر لربط المكوّنات وتنظيفها وقطعها وإصلاح المعدات الفضائية.

ويمكن لهذه القدرات، في حال تطويرها وتوسيع نطاق استخدامها، أن تتيح مستقبلًا بناء هياكل ضخمة في الفضاء، يتعذّر إطلاقها كاملة من الأرض باستخدام صاروخ واحد.

وفي إطار هذه الأبحاث، تعمل الولايات المتحدة على مجموعة من المشاريع التقنية، بينها تطوير حجرة لحام مدمجة تستطيع العمل في ظروف الفراغ، ومن المخطط إرسالها إلى محطة الفضاء الدولية.

كما تشمل المشاريع تطوير ذراع روبوتية مستقلة قادرة على تنفيذ عمليات لحام في بيئة تحاكي الظروف الموجودة على سطح القمر، في خطوة تهدف إلى توسيع إمكانات الصيانة والتصنيع خارج الأرض.

وسبق لوكالة "ناسا" أن أشارت، في تقرير نشرته عام 2020، إلى أن تطوير تقنيات اللحام والتصنيع في الفضاء يمكن أن يجعل إصلاح المركبات الفضائية أقل تكلفة، عبر تقليل الحاجة إلى إطلاق قطع الغيار من الأرض.

وتعكس هذه المشاريع إدراكًا متزايدًا لدى القوى الفضائية الكبرى لأهمية امتلاك قدرات تقنية مستقلة تتيح صيانة المنشآت والمركبات في مواقعها، خصوصًا مع التوجه نحو إقامة مرافق دائمة في الفضاء وتنفيذ مهمات تستمر لفترات طويلة خارج كوكب الأرض.

وفي المحصلة، يشكّل النجاح الصيني في تنفيذ عملية قطع دقيقة بالليزر خارج محطة "تيانغونغ" تقدمًا مهمًا في تكنولوجيا الصيانة الفضائية، لكنه يسلّط الضوء أيضًا على التحديات الأمنية المرتبطة بتطوير منظومات يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية على حد سواء.

وبين القدرة على إصلاح محطة فضائية على بُعد مئات الكيلومترات من الأرض، والمخاوف من توظيف التكنولوجيا نفسها لتعطيل أقمار صناعية أو استهدافها، يفتح الإنجاز الصيني فصلًا جديدًا في المنافسة الفضائية بين بكين وواشنطن، حيث بات التطور التقني يحمل في الوقت نفسه فرصًا علمية وتساؤلات استراتيجية حول مستقبل الأمن في المدار.